موضوعات أخرى

الحُبُّ هو...

موقف القلب
الحُبُّ هو...
بقلم : ثناء هلسه

في يوم ما تقابلت مع حكيم وسألته: ما هو الحُبُّ؟ فقال الحكيم لي: إنَّ الحُبَّ الحقيقيَّ لا تشويش فيه، الحُبُّ جميل، وبسيط، ونقيٌّ. وليس بالإمكان حصر الحُبِّ في اتفاقيَّة أو مصطلح حسب المفاهيم البشريَّة، حيث أنَّ البشر لا يستطيعون أن يصنعوه؛ لأنَّ مصدره الله، ولا يقدرون على عيشه وتفسيره ووصفه بكلِّ نواحيه دون تقابلهم مع الله مصدر الحُبِّ والحياة.

أكملَ هذا الحكيم قوله لي: سؤالك يذكِّرني بما حدث هناك في أرض صالحة منذ زمن بعيد، عندما كان الحُبُّ نقيًّا وكنّا كبشر نعيشه، لم نكن نعرف الخوف، أو القلق، أو التَّعاسة، أو الملامة، أو الحزن، أو خيبات الأمل، أو الغضب، أو الصُّراخ، أو الخيانة، أو حتَّى الموت، كانت البراءة والثِّقة بالآخر تملآن كياننا. لكن حدث خطأ وأعلنَّا التَّمرُّد على ربِّ الحياة؛ إذ بدا لنا أنَّنا أصبحنا نعرف كلَّ المعرفة: الخير والشَّرّ، وأصبح شكُّنا كبيرًا حول استمرار اهتمامه بنا، وبعدها فقدنا القدرة على السَّيطرة على مشاعرنا وأفكارنا، فأصبحنا نلوم الجميع حتَّى أنفسنا، فخرجنا من تلك الأرض الصَّالحة إلى أرض كلّها مشقَّة وتعب، تلاقينا هناك بالبشاعة فينا، ورأينا عُرينا وضعفنا، وملأنا الكبرياء ليُغطِّي خزينا ويُشير إلى الاختلاف في الآخر، فصرنا نشعر بأنَّنا أفضل منه، وابتدأت أفعالنا بإيذاء أنفسنا والآخر الَّذي نحبُّه.

عندها وجدنا بأنَّ اللَّون الأبيض للحُبِّ قد تحوَّل إلى اللَّون الرَّماديِّ ومن ثمَّ الى السَّواد، أصبحت الكآبة حادَّة ولا أمل في أيِّ عمل. أصبحت المشقَّة طريقنا لكسب الرِّزق، وأصبح الكثير من الألم ينبض فينا، عدا عن شعورنا بالوحدة والضَّياع، حتَّى ونحن ليسنا وحدنا وبصحبة مَن نريد أن نكون معهم. اجتهدنا في البحث عن معنى للحياة والشَّغف، وأصبحنا نبحث عن الكثير من الأمور للهروب من هذا الشُّعور العميق والمُظلم فينا، وأصبحنا نحاول بشدَّة التَّحليل لمعرفة ما ينقصنا لنمتلئ به، لكنَّنا لم نجد شيئًا يُعوِّض هذه الحاجة.

أصبحنا نُحدِّد ألوانًا للحُبِّ لنُخفِّف من السَّواد الَّذي بداخلنا حسب الحاجة التي ندركها ونريد تلبيتها؛ فصِرنا نُلوِّن كلَّ احتياج لنا باسم الحب بألوان جعلناها تبدو خالية من السَّواد لتصبحَ مثل ألوان قوس قزح. ومع كلِّش هذا ما زال الفراغ في داخلنا كبيرًا وعميقًا، وأصبح مفهوم الحُبِّ لدينا مُرتبطًا بأولويَّات وخطوات، وفي أحيانٍ أخرى ارتبطَت قوَّة وُجوده بالتَّوتُّر والقلق والخيانة والألم، خادعين أنفسنا وموهمينها بأنَّنا حصلنا على الحُبِّ وفق معادلة تلبية وتوفُّر الاحتياجات، لنُعلن لذاتنا بأنَّنا نعيش الحُبَّ مُتجاهلين السَّواد الَّذي يتغلغل في داخلنا.

ولكن عندما أتى ملء الزَّمان، وقرَّر واهب الحياة -لحُبِّه الكبير للبشر- أن يمدَّ جسر الغفران من الأرض الصَّالحة إلى أرض المَشقَّة، اتَّخذ شكلنا البشريَّ، وزارنا في أرضنا على هيئة إنسان مثلنا، لكن بقلب مليء بالحُبِّ، خالٍ من السَّواد، ولم يكن يُشبه أيَّ لون آخر. ولهذا لم نستطِع فهم نوع حبِّه لنا، ولكنَّه قرَّر أن يُصالحنا مع الله واهب الحُبِّ والحياة؛ لأنَّه هناك -على جسر المُصالحة هذا- قدَّم ذاته عنّا جميعًا، وانسكب دمه فداءً لنا ليستُرنا من عرينا ويرفعنا من ضعفنا، فمنحنا القبول وأعطانا الإيمان، كما أعطانا سلامًا وراحة في أذهاننا، وفرحًا في أنفسنا، ووداعة وصلاحًا في سلوكنا، وعندها فقط غادر السَّواد والثِّقل قلوبنا.

تنهَّد الحكيم وأكمل قائلًا: لكن لم نستطع العودة إلى الأرض الصَّالحة حيث أنَّ موعد عودتنا لم يحِن بعد. لكن كلُّ مَن قبِل هذا الجسر قد أُعطيت له طبيعة جديدة تُمكِّنه من اختبار ذاك الحُبِّ الحقيقيِّ الجميل النَّقيِّ. مَن عرف هذا الحُبَّ لن يتمكَّن إلَّا من أن يملأ نفسه به ويفيض به على كلِّ مَن هم حوله، فنور هذا الحُبّ يطغى على كلِّ ظلام وسواد وثِقل.

ونظر إليَّ الحكيم، وقال: يا بُنيَّتي، وأنتِ تعيشين في أرض المشقَّة وقبل أن تُقرِّري مشاركة الحُبِّ مع أحد، احرصي بأن تلتقي بهذا الجسر لتمتلئي بالحُبِّ النَّقيِّ واثبتي فيه، ففيه لن يكون في قلبك وذهنك معاناة، أو ألم، أو تشويش مهما كانت الظُّروف صعبة ومُظلمة مع الآخر؛ لأنَّ قوَّة هذا الحُبّ لا تفنى، وهي كافية لسحق كلِّ حزن وألم، وهدم كلِّ إثم وشرٍّ. وفقط عندما تتقابلين مع هذا الحُبِّ ستتمكَّنين من حُبِّ نفسِك، وإيصال بريق الحُبِّ إلى كلِّ مَن هم حولك.

 

مواضيع ذات صلة:

ما هو الحُبُّ؟

 افتتان أم حب

عزباءُ عيدِ الحُبِّ

دعي شريك حياتك ينطلق على سجيته

هل الحبُّ خدعة تجاريَّة أم اختيار مسؤوليَّة؟

إضافة تعليق
بريد إلكتروني

 

أو يمكنك التواصل معنا بمسج خاصة عبر صفحتنا على الفيسبوك