موضوعات أخرى

كيف أعيش بسلام بعد فراق عزيز؟

موقف القلب
كيف أعيش بسلام بعد فراق عزيز؟
بقلم : لانا بواب

4 خطوات عملية تساعدك في التخفيف من حِدَّة الألم

 

موت شخص قريب جدًّا فكرة مرعبة لا يمكن تخيلها، لكنَّ حدوثها مؤكد وهذا أكثر رعبًا! فكيف يمكن الاستعداد لهذا؟

تامر وعبير عائلة مسيحية مؤمنة متزوجان منذ اثنتي عشرة سنة، ورُزقا بطفلة بعد عشر سنوات من العلاجات والمحاولات. تبلغ طفلتهما التي أسمياها "سلمى" سنتين ونصف، ولكِ أن تتخيلي كمية الفرح التي أدخلَته تلك الطفلة إلى بيتهما! في يوم من الأيام شعرَت عبير بتوعُّك بسيط في معدتها، ولكن لم تُبدي أي اهتمام بالموضوع وسرعان ما تزايد الألم أكثر وأكثر حتى لم تعُد تستطيع التحمل، فاتصلت بزوجها ليأخذها الى المستشفى، وفور وصولهما قاما بعمل الفحوصات والصور اللازمة لمعرفة مصدر الألم إلى أن توصَّلا إلى الخبر الصادم وهو إصابتها بسرطان المعدة وهو في مرحلة متقدمة. وهكذا انقلبت حياة تلك العائلة رأسًا على عقب وبدأت رحلة علاجها، لكن للأسف الشديد لم تستطِع عبير الصمود أمام ذلك المرض وفقدَت حياتها بعد أربعة أشهر من الصراع معه.

هذه القصة روَتها لي إحدى زميلاتي في العمل وهي على معرفة شخصية بتلك العائلة، وسرعان ما أجهشتُ بالبكاء وكأنَّ تلك العائلة تخصُّني؛ لأنني لم أستطِع تحمُّل هول المأساة التي سيعيشها تامر وطفلته بعد رحيل زوجته.

عندما تعجز الكلمات عن التعزية 

فاجأتني زميلتي بالسؤال عن كيفية تقديم التعازي للعائلة، وماذا يمكن أن أقدم من أجوبة عن تساؤلاتهم حول صلاح الله والخير وسط هذه الفاجعة!

وللأسف لم تكن لدي الإجابة الكافية وبقيت فترة طويلة أتساءل هذا السؤال: أين صلاح الله من كل هذا وكيف من الممكن تقديم التعزية وسط ألم هذا حجمه؟ هل يمكنهم تخطي تلك المحنة والاستمرار في حياتهم؟ 

للأسف هذه المواقف ليست بعيدة عنا أبدًا. من الممكن أن تحدث  لنا أو نراها في أقرب الناس إلينا، وبالفعل لا يوجد ما يمكن تقديمه للتعزية وتخفيف الألم بالكلام؛ لأنه ومن المؤكد أنه في تلك المرحلة يكون أهل الفاقدين خارج دائرة الحياة ويحتاجون ما يكفي من الوقت لكي يستوعبوا حجم الألم الذي مروا به. 

 

مشاعرنا هي انبثاق لمعتقداتنا

مشاعر الحزن هي حق مشروع وهي مشاعر موجودة في أنفسنا، ولا يمكن أن نرفض أو ننكر وجودها لكنها نابعة من معتقدات وأفكار موجودة داخلنا. وإذا ما أشبعنا عقلنا بالمعتقدات الصحيحة أصبح تعبيرنا عن الحزن واعيًا وصحيًّا أكثر. إليك ثلاثة وعود كتابية إذا تبنَّيتِها أو أصبحَت جزءًا من معتقداتك، فذلك سينعكس على مشاعرك ويساعدك على رؤية الأمور بصورة أوضح.

  • الوعد الأول: رجاء القيامة

في الكتاب المقدس توجد الكثير من الآيات التي تحدثنا عن الموت والتي تؤكد أنه حاصل لا محالة، وبأنه كالعدو الذي يريد خطفنا. ومن الآيات القريبة إلى قلبي التي تهيِّئني إلى هذا الموقف موجودة في سفر جامعة 3: 1-2:

" لِكُلِّ شيءٍ زمانٌ، ولِكُلِّ أمرٍ تَحتَ السَّماواتِ وقتٌ: لِلولادَةِ وقتٌ وللموتِ وقتٌ. لِلغَرْسِ وقتٌ ولِقَلْعِ المَغرُوسِ وقتٌ."

وهنا نعلم بأنَّ كل شيء من حولنا هو زائل ومؤقَّت على هذه الأرض، وسيأتي اليوم الذي تنتهي به هذه الحياة. من المؤكد بأنَّ هذا الكلام مؤلم وصعب جدًّا قبوله بسهولة وخاصة عندما يرتبط بأقرب الأشخاص إلينا، لكنه بالمقابل سيكون أخفّ ألمًا على أولاد الله الذين يعلمون ويؤمنون بعمل يسوع على الصليب الذي كسر شوكة الموت وغلب ذلك العدوَّ القويَّ الجبّار، وأعطى لكل منا رجاء القيامة- كما قام هو- بعد الموت الجسدي الذي ما هو إلا مرحلة انتقالية لأرواحنا إلى الحياة الأبدية التي وعدَنا بها الله لكي نحياها معه من خلال ابنه يسوع المسيح.

 25 قال لها يسوع:«أنا هو القيامة والحياة. من آمن بي ولو مات فسيحيا، 26 وكل مَن كان حيًّا وآمن بي فلن يموت إلى الأبد. أتؤمنين بهذا؟» (يوحنا 11: 25-26)

  • صلاح الله في كل الأمور: 

"وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ ٱلْأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ ٱللهَ، ٱلَّذِينَ هُمْ مَدْعُوُّونَ حَسَبَ قَصْدِهِ." (رومية 8: 28).

نحن المؤمنين علينا أن ندرك هذا الوعد ونحيا على أساسه بأن لا شيء يحدث لنا- مهما بدا سيئًا- إلا وسيحوِّله الله إلى الخير، وبأنَّ كل أمور حياتنا هي تحت سيطرة وسلطان الله حتى لو بدَت لنا بحسب منظرنا البشري أنها ألم أو شرّ، فالحق الذي نؤمن به يعلن أنَّ مقاصد الله خير وصلاح لحياتنا. 

"لأني عرفتُ الأفكار التي أنا مفتكر بها عنكم، يقول الرب، أفكار سلام لا شر، لأعطيكم آخرة ورجاء." (إرميا 29: 11). 

  • هناك دائمًا تعويض عن كل خسارة:

"لأَجْعَلَ لِنَائِحِي صِهْيَوْنَ، لأُعْطِيَهُمْ جَمَالاً عِوَضًا عَنِ الرَّمَادِ، وَدُهْنَ فَرَحٍ عِوَضًا عَنِ النَّوْحِ، وَرِدَاءَ تَسْبِيحٍ عِوَضًا عَنِ الرُّوحِ الْيَائِسَةِ، فَيُدْعَوْنَ أَشْجَارَ الْبِرِّ، غَرْسَ الرَّبِّ لِلتَّمْجِيدِ."
سفر إشعياء (61 :3)

دائمًا هناك تعويض عن أية خسارة تحصل لأبناء الله سواء كان تعويضًا روحيًّا أو نفسيًّا أو جسديًّا. تمسَّكي بالمواعيد وطالبي الله بهذا الوعد، وانتظري عمله فهو ليس إنسانًا فيكذب أو يتراجع عن وعوده، سيعوضك عن الخسارة بطريقته ووقته.

أين هذا في واقع قصتنا؟

لنعُد إلى قصة عبير المؤلمة وعائلتها المكسورة بعد هذا المصاب الجلل. من المؤكد أنها لم تتقبَّل فكرة مرضها، وخاصة في بداية الأمر. ولا بدَّ من أنه كانت لدى زوجها تساؤلات وعتاب ولوم يقدِّمه لله على ما حدث نتيجة المرض والموت والفقدان. دورنا نحن مَن نحيطهم ونعرفهم أن نصلي لأجلهم ونبقى قريبين منهم لكي نقدِّم المساعدة، فهذا سيخفف ألمهم لو بجزء بسيط، والله كفيل بأن يقدم لهم الإجابات بحكمته والتعزية بسلامه العجيب وطرقه التي تفوق أفكارنا، ولربما لن يُجاب عن كل أسئلتهم ولكنَّ الله سيظلُّ إلى جانبهم.

ليس الهدف من هذه القصة أن نشعر بالإحباط وفقدان الأمل والرجاء، إنما أن نستعدَّ لمثل هذه المواقف ونتمسَّك بوعد قدَّمه إله صادق وأمين بأنه توجد قيامة وحياة أبدية، وبأنَّ الموت لم يعد له سلطان علينا نحن المؤمنين. لذا علينا أن نترك الحقَّ يجدد أذهاننا ونبدأ بتغيير منظورنا عن الحياة والعلاقات لتصير معتقداتنا وأفكارنا مبنية على كلمة الحق، فنصدِّقها بإيمان ونطلب معونة الروح القدس ليقودنا في رحلة الحزن الصحيًّ وسط فرحه وسلامه. لنطلب هذه اللمسة الروحية لنكون في سلام وسط الألم ونعكس صورة إلهنا الحي. لنبدأ بالصلاة لأجل أنفسنا ومَن هم حولنا حتى يعطينا الله ويعطيهم المعونة التي نحتاجها لمثل هذه الظروف بحيث تجعلنا نكون أقرب إلى الله لا أبعد عنه.

4 خطوات عملية تساعدك في التخفيف من حِدَّة الألم

بالإضافة إلى الصلاة وتغيير المُعتقدات، إليك بعض الأفكار العملية التي يمكن أن تساعدك على التخفيف من حِدة ذلك الألم:

1- الحزن أمر طبيعي

يجب أن تُخبري نفسك باستمرار أنَّ الحزن أمر طبيعي، بل هو حتمي لا مفرّ منه في عالمنا. لا بدَّ من أن تمرّي بالألم لتستطيعي أن تتغلبي على الشعور بفقدان أحدهم.

2- اعرفي مراحل الحزن الخمس

مع أنَّ كل شخص يحزن بشكل مختلف، إلا أنه غالبًا ما تكون هناك مراحل مشترَكة للحزن يمرّ بها المتألِّم. ربما إنَّ معرفة هذه المراحل  لن تقضي على شعورك بالألم إلا أنها ستساعدك على الاستعداد له.

  • الإنكار: وهي رفض تصديق أنَّ هذا الشخص رحل، وهذ الشعور هو الأكثر شيوعًا مع أؤلئك الذين يمرون بتجربة فقد شخص خاصةً إذا مات فجأة، الأمر الذي يجعل هؤلاء الأشخاص غير قادرين على البكاء أو الحزن، وربما يساعد هذا الإنكار على تجاوز الشعور بالحزن في الأيام الأولى.
  • الشعور بالغضب: فبعد أن تنتهي فترة الإنكار، ويدرك المتألِّم حقيقة أنَّ هذا الشخص مات قد يشعر بالغضب، الأمر الذي يجعله يوجه هذا الغضب إلى أي شخص، ربما إلى نفسه أو أصدقائه أو عائلته أو الأشخاص الذين لم يتعرَّضوا إلى الخسارة. إلا أنَّ هذا الشعور طبيعيّ وصحيّ إذا تمَّ التعبير عنه بطريقة صحيحة، فهو يُخرج جزءًا من طاقة الحزن بداخله.
  • الشعور بالذنب: إذا فقد شخص أحد أفراد أسرته أو صديقًا عزيزًا، سيفكر فيما كان يجب فعله لإنقاذه من الموت، سيجد نفسه يُلقي باللوم والذنب على نفسه لتقصيره في منع الوفاة أو ربما لقول أو عدم قول شيء ما على سبيل المثال. إلا أنه يجب أن يعرف أنَّ الموت حاصل، وأنه ليس خطأه أو ذنبه. كما قد يشعر المتألِّم بالذنب بسبب الغضب الذي يشعر به في داخله، وقد يبدأ في التفتيش في حاجيات المتوفى والحزن الشديد على وفاته، ويمرّ في حالة من التشوّش تجعله يشعر بتأنيب الضمير ولوم النفس على تقصيره في منع وفاة عزيزه.
  • الاكتئاب: ربما تكون تلك المرحلة الأطول في مراحل الحزن، كما أنها تكون مصحوبة عادة بأعراض جسدية، مثل فقدان الشهية والأرق والبكاء. كما أنَّ المتألِّم سيميل إلى الانعزال عن الناس، وهذه أمور طبيعية إلا إذا تطوُّر الوضع معه وأخذت تلك الأعراض تتزداد لديه، فيجب أن يراجع الطبيب.
  • تقبُّل الوضع: وهي المرحلة الأخيرة من مراحل الحزن، ويترتب عليها تعلُّم كيف يعيش ويسيِّر أمور حياته دون ذلك الشخص. لا بدَّ من أن يشعر بخسارة فقدان الشخص، إلا أنه سيضطرُّ إلى إنشاء وضع طبيعي جديد لا يوجد فيه هذا الشخص في حياته.

إنَّ جميع هذه المشاعر طبيعية تمامًا. المشاعر السلبية لا تجعل المرء شخصًا سيئًا أو أن تكون سيئة في حد ذاتها، بمعنى ليست هناك مشاعر صحيحة وأخرى خاطئة. فكثير من الناس يشعرون بالذنب بسبب غضبهم، لكن من الجيد الغضب والتساؤل عن سبب موت ذلك الشخص. وبعض الناس يصبحون كثيري النسيان وأقل قدرةٍ على التركيز. يمكن أن يفقدوا أشيائهم، مثل المفاتيح. هذا بسبب تشتت العقل نتيجة الفاجعة والحزن.

3- شاركي مشاعرك

إنَّ مشاركة مشاعر الحزن مع الآخرين المشتركين معك في فقد الشخص نفسه، يخفف من الشعور بالحزن والألم ويمدُّكِ بالدعم الذي يساعد على تخطي تلك الأحاسيس. كما يمكن أن تشاركي ذكرياتك السعيدة مع الشخص الذي فقدته الأمر الذي سيساعدك على تجاوز شعور الألم.

5- املئي وقت فراغك

حاولي أن تملئي أوقات فراغك قدر الإمكان، فإذا كنت قد أخذتِ إجازة من عملك أو دراستك فعُودي لها، حاولي أن تمارسي هوايتك المفضَّلَة، وسيفيدكِ جدًّا أن تمارسي الرياضة، بالإضافة إلى قضاء وقت مع مَن تحبين.

 

اجعلي فكرك يرتبط بالأبدية، تشجَّعي وثقي تمامًا بأنَّ إلهك متسيِّد وأنكِ لست متروكة، وهو يشعر ويتألم لألمك. الله لم يعدنا بعالم خالٍ من الألم، إنما وعد بأن يرافقنا فيه، وهو خير مَن يساعدك؛ لأنه يفهم ما تمرين به، لقد اختبر الألم ليعينك. ولكن لا ترفضي الحزن أو تصطنعي القوة، وتأكدي أنَّ الله سيكون معكِ ويرافقكِ بينما تمرين بدورة الحزن بكل مراحلها، فلا تخافي اجتيازها بطريقة صحيحة.

يريد الله أن يحوِّل هذه الخبرة القاسية إلى صبر ونضج من نوع مختلف وعلاقة أقرب معه ومع مَن حولك، فتختبرين الحياة بصورة أعمق وتأثير أكبر متسلِّحة برجاء الحياة الأبدية في محضره حيث لا ألم ولا موت.


المراجع 
 

https://www.webteb.com/articles/%D8%AA%D9%82%D8%A8%D9%84-%D9%85%D9%88%D8%AA-%D9%85%D8%AD%D8%A8%D9%88%D8%A8_15797

https://www.alriyadh.com/337330


 

إضافة تعليق
بريد إلكتروني

 

أو يمكنك التواصل معنا بمسج خاصة عبر صفحتنا على الفيسبوك