موضوعات أخرى

مُستنقعُ الخِزي والعار

موقف القلب
مُستنقعُ الخِزي والعار
بقلم: بسمة قموه

قصةٌ مِن الواقع 

 سميرة، موظفةٌ جميلةٌ، في الثلاثين مِن عمرها، مجتهدةٌ، لها احترامُها الشديد مِن جميع الموظفين في الشركة التي تعمل فيها، وهي مديرةٌ لمكتب المديرِ العام، مالكِ الشركة، بالإضافة إلى أنها مَحطُّ أنظار الجميع وخصوصًا الابنِ الأكبر لمالك الشركة، الذي يرأس قسم شؤون الموظفين، وله كلمةٌ مسموعةٌ لِتمَيُّزه بشخصيةٍ واثقة. 

 كان يعاملُ سميرة، بشكلٍ خاص، باحترامٍ واهتمامٍ شديدَين، ويسعى بأن لا تتعرضَ لأيِّ معاكسةٍ مِن الموظفين الذين كانوا يحاولون التذرع بأوراقٍ ومعاملاتٍ لكي يتكلموا معها، فكان دائمًا يسبب لهم الإحراج بسؤالهم: ماذا تفعل هنا؟ 

لاحظتْ سميرة هذا الاهتمامَ، وفرحت بداخلها جدًا، وخصوصًا أنَّ مديرَ الشركة "والدهُ"، كان يعاملها كابنتهِ حيث أنه لم يُرزق ببنات. 

مَرَّت الأيام، وتطورَ عملُها وعلاقتُها بعائلة المدير، حيثُ تفاجئت في يومٍ أنَّ زوجةَ المدير دَعَتْها إلى وجبة الغداء في بيتهم، ولمَّحت لِسميرة بشكلٍ واضح بأنها ستكونُ زوجةَ الابنِ المستقبلية. 

إخفاء الحقيقة 

وحدث أنَّ سميرة رافقت المديرَ وابنَهُ في يومٍ إلى عشاءِ عملٍ لضيوفٍ قادمينَ لزيارة الشركة مِن دولة أجنبية، بحسب طبيعة عملِها وواجباتِها كمديرةِ المكتب. وبالطبع بعد انتهاء العشاء، وجبَ أخلاقيا أن يوصِلَها مديرُ الشركة برفقة ابنه إلى بيتها، حيث كان الوقت متأخرًا. 

ركبتْ السيارة وهي ترتجفُ خائفةً، وشعورٌ كبيرٌ بالخِزي داخلها، لأنهم سوفَ يدخلون إلى منطقةٍ شعبيةٍ فقيرة، ويتعرفون إلى البيئة التي تعيش فيها. فقررتْ أن تختار أحدَ البيوتِ الجميلةِ في منطقة مَرُّوا بها قبل الوصول إلى بيتها لتقول لهم: هذا هو بيتي. شكرَتْهم على إيصالها للبيت،ً وفعلا أوهمتهم أنها تدخل مِن البوابة، ولم تجرؤ أن تدعوهم لشرب الشاي أو التعرف إلى أهلها. 

وجَدَتْ نفسَها وحيدةً في منطقةٍ لا تعرفها وظلام الليل حولَها، وتملَّكها الشعورُ بالخوف الشديد. بدأت بالبكاء  والدعاء لكي يرسل الله لها سيارةَ أُجرة سائقُها محترم. طبعًا، مرت بها سيارةُ أجرة بعد ساعةٍ مِن الانتظار، ووصلت البيتَ وانهارت بالبكاء. 

وعندما سألَها أهلُها عن سببِ بكائها اكتفت بالقول: "أنا أكرهكم". 

في هذهِ اللحظةِ، أدركتْ سميرة أنَّ مشاعرَ العارِ والدونيةِ وقلةِ القيمةِ هزَّت كيانها من الداخل.

كيفَ أدركت سميرة أنَّها تشعر بالخِزي والعار: 

  • شعورٌ بِقِلَّة القيمة وكرهٌ للنفس 
  • الغضبُ والكراهيةُ تجاه أهلِها 
  • افتعالُ الكذب وفقدانُ الاحترام للذات 
  • اليأسُ وفقدانُ الثقةِ بالمستقبل  

ما هي الأسباب التي جعلَتْها تشعر بالخِزي والعار:

  • عدمُ إيمانها بنفسِها ومكانتِها داخليًا كفتاة، حتى لو استثمرتْ في ثقافتها فهيِ تعتبرها كلا شيء. 
  • التنشئةُ والتأثرُ بثقافة مجتمعٍ ينظر إلى الفقر على أنه عيبٌ وجريمة.
  • مفهومُها عن هدفِ كل فتاةٍ بالزواجِ مِن شخص ينقلها إلى مستوىً اجتماعيٍ أفضل، وتَحطُّم أمالِها عندما تواجهُ الواقعَ وفرقَ المستوى.
  • هرُوبُها مِن اللحظة الحاسمة، وهي كيفيةُ الاندماجِ والتفاعلِ مع الفروقات الاجتماعية والمادية، دون المساس بالهوية والثقة بالنفس. 

 

كيفَ تُغير مشاعرُ العار الحياة . 

كان اليومُ التالي في المكتبِ مختلفًا تمامًا عن الأيام السابقة. 

  • تشعر بأنَّ الكل يراقبها، وأنَّها فعلًا ارتكبت عملًا مُشينًا 
  • فبدأتْ تنطوي أكثرَ على نفسِها
  • تأنيبٌ للذاتِ بسبب التغييرِ الذي حصل في سلوكِها  
  • الخوفُ من الآخَر ونظرتُه إليها، وشعورُها بعدمِ الانتماء 
  • فقدانُ الشغفِ بالعمل، والرغبةُ في الانسحاب

أين تقفُ سميرة الآن؟ هل تشعرُ بالخِزي لأجل فعل ارتكَبَتْهُ، أمْ أنها فعلًا لديها شعورٌ عميقٌ بالعار؟

ولكي نتعرَّف أكثر على مشاعر سميرة، علينا أولًا أنْ نعرف الفرق بين الشعورِ "بالخزي والذنب" وبين الشعورِ "بالعار". 

  • إنَّ الشعورَ بالعار أقوى جدًا مِن الشعور بالذَنْب. وعندما يتعمَّق هذا الشعورُ في الإنسان، يضع الذاتَ في صورة ٍشديدةِ الدونية، يراها الشخص في نفسه على الدوام.  
  • يرافقُ الشعورَ بالعار شعورٌ بفقدانِ الهوية والانسحابِ مِن الحياة شيئًا فشيئًا. 

 

 أما مشاعرُ الذنب (الخزي)، فهي لا تَعُد الذاتَ هدفًا أساسيًا للنقد، وإنما الفعل الذي ارتكبه الفرد. فتكونُ النظرة للفعل الذي ارتُكِب وليس للذات. 

  • يقودُ الشعور بالذنبِ في معظم الأحيان إلى تصرفٍ إيجابي وتوبةٍ لاتخاذ موقفٍ للتخلص مِن هذه المشاعر بسبب الفعل الذي ارتكبه وتصحيحِ الوضع. 

خطوةٌ واحدة ٌنحو الحقيقة وقبول الذات 

قد تجدينَ في داخلِكِ بعضًا مِن مشاعر العار لسببٍ أو لآخر، وربما تعتقدين أنَّ المشكلة التي أنتِ فيها هي السبب. ولكنْ لو عدتِ إلى حجم المفاهيمِ الخاطئة المُخزَّنة في أفكاركِ وإلى وضعكِ الروحيِّ تجاه الله  نفسه، لوجدتِ أنها خطوةٌ واحدةٌ فقط بين مشاعر الخزي والعار، وبين استردادِ الكرامة والهوية الحقيقية. 

وهنا نقف سويًا للعودة إلى جذور مشكلةِ العار في الخليقة كُلِّها. وهذا يأخذنا إلى بداية التاريخ، لنرى كيف دخل العارُ إلى جنسنا البشري من خلال أبينا آدم وأُمنا حواء لكي تتوارَثَه الأجيال.

فنرى بدايةَ القصة في سفر ِالتكوين والأصحاح الثالث (ممكن نحط اللينكالذي يسرد لنا تسلسلَ الأحداث ليجد آدمُ وحواءُ نفسَيهما مختبِئَين عُريانَين، مملوئَين مِن مشاعر الخزي والعار. 

 

العودةُ إلى جذور المشكلةِ الحقيقية 

كيف بدأتْ مشاعرُ العار تنعكس على آدمَ وحواء عند السقوط: 

- أحسَّا بالذنب الشديد واختبآ مِن وجه الله، فعرفَا معنى الهروبِ والخوف. 

-  استوطنتْ مشاعرُ الخِزي داخلَهما تجاه أنفسِهما وتجاه بعضهما البعض، فشعرَا بحاجةٍ ماسَّةٍ لِسَتر عورتِهما، فخاطا ورق التين لستر العورة.  

-  كان حوارُهما مُلتوٍ جدًا، وابتدأ الإثنان بالكذبِ ولومِ بعضهما البعض.  

رغم العقابِ الوقتي، إلَّا أنَّ الله في محبته يتدخل ليضعَ الحلولَ لمشكلة آدم وحواء ولنسلهم كافة. 

  • استخدمَ الله جلود الحيواناتِ المذبوحةِ بديلًا عنهما، لكي يَستر عورتَهُما ولا يعودا يشعرانِ بالخزي.
  • ولكنَّ الله ابتدأ بإعطاء المواعيد بأنَّه سيسحقُ رأس الحية (إبليس)، الذي أغوى حواءَ وآدم. 
  • أعطاهم الوعدَ بأن نسلَ المرأة (يسوع) سَيرُد لهما كرامتَهُمَا بالكامل. 

 

اللهُ يفي بوعدهِ لنا  

  • تممَ الله وعده لآدمَ وحواء ونسلِهما باسترداد الكرامة والهوية الأصلية: أنْ نكونَ على صورتِه ومثالِه  بتجسدِ الابنِ يسوعَ المسيح كلمةِ الله، لكي يموتَ بدلًا عنَّا آخذًا عقابَ الخطية في جسده، ورافعًا على صليب العار عارنا عنا، ومعطيًا إيانا مقامًا جديدًا في كرامةٍ لا تدنو منها أيُّ مشاعر بالعار.  
  • يردُّ اللهُ لنا هويتنا الأصليةِ لكي لا تحكُمَنا معاييرُ بالية أرضية شيطانية. 
  • ينتظرُ اللهُ منا الرجوعَ بإرادتنا إلى هوية الكرامة، كما استسلمنا بإرادتنا الحرة أيضًا لهوية العار. 

يُمكن أنْ تكون قد تكوَّنتْ لديكِ تساؤلاتٌ كثيرةٌ حول موضوعِ العار وخطةِ الله المعدة لكِ. يمكنكِ قراءة المزيدِ عن خطة الله للخلاص (مراجع كتابية)، أو توجيه أيِّ سؤال إلينا عن طريق 

؟؟؟؟

 

 

شاركينا بتساؤلاتٍ أو اختباراتٍ روحيةٍ مشجعة. 

إضافة تعليق
بريد إلكتروني

 

أو يمكنك التواصل معنا بمسج خاصة عبر صفحتنا على الفيسبوك