بدأت قصَّتي عندما كنتُ في السّادسة من عمري - قصة من الواقع

بكفّي نخبّي
بدأت قصَّتي عندما كنتُ في السّادسة من عمري - قصة من الواقع
عن لسان صاحبة القصَّة – مشارَكة من شابَّة عربيَّة

أنا طالبة جامعيَّة عمري 19 عامًا، مثلي مثل بقيَّة الطَّلبة، أشعر بالملل من المحاضرات والدِّراسة ومحاولة التَّوفيق بينها وبين أمور كثيرة أخرى في وقت فراغي المحدود. ولكن على خلاف أغلب الطَّلَبَة الَّذين أعرفهم، إنّي أتصارع مع معالجة تداعيات الوحش الصّامت الَّذي يُحاول تدميري، وحش الإساءة الجنسيَّة الَّتي تعرَّضتُ لها في طفولتي. من الخارج، أرسم ابتسامة وأبدو مثلي مثل أيِّ شخص من أترابي، ولكن من الدّاخل لطالما كانت الحرب دائرة. أعرف عن الجنس أكثر من أيِّ فتاة أخرى، ولكن عليَّ أن ألعب لعبةَ التَّظاهر بالبراءة.

كوني أعيش بعيدًا عن كنف بيت العائلة، وصلني منظور بأنَّ ما كنتُ أظنُّه "عاديًّا"، هو في الواقع ليس كذلك. بدأت قصَّتي عندما كنتُ في السّادسة من عمري، في الوقت من عمري الَّذي كان يُفتَرَض فيه أنَّني محميَّة داخل الجدران الأربعة لبيت عائلتي، هذا المكان الَّذي رغم أنَّه ينبغي أن يكون آمنًا، ألّا أنَّ مُعظمَ الإساءات الجنسيَّة تحدث فيه، في بيت العائلة وليس في الأزِقَّة المُظلِمة. كان هناك مستوى معيَّن من الثِّقة بين أخوَيَّ ووالدَيَّ، ولكنَّ تلك الثِّقة كانت تُهزُّها تلك القاعدة العائليَّة غير المنطوقة: "إيّاكم أن تقولوا شيئًا يهزُّ أمنَ عائلتنا أو يجلب إلينا العار!"

كنتُ طفلةَ العائلة، أصغُرُ أخوَيَّ الأكبر منّي سنًّا الَّلذَين كنتُ أعشقهما بثلاثة وعشرة أعوام. كان والدي رجلًا غضوبًا مُنفصِلًا عاطفيًّا، أمّا أخواي، فكانا هما مَن يبتهجان بي ويمنحانني الثِّقة ويُشجَّعانني.

كم هو مُحزن أنَّ هذَين الأخوَين - اللَّذين مثَّلا أحد أعظم مصادري للحُبِّ البشريِّ- بدآ يُغويانني لأطبِّق الإباحيَّة الَّتي كانا يُشاهدانها في المجَلّات، في حين كانت الصُّورة العارية الوحيدة الَّتي كان ينبغي لي أن أراها في تلك المرحلة هي لعبة "باربي" بلا ملابس! كانا يُهيِّئان لي فخَّهما ابتداءً بلهوٍ يبدو غير مؤذٍ. كان أحدهما يدعوني إلى غرفته بينما كان والداي يُشاهدان التِّلفاز، ويبدأ بالتَّملُّق والمُفاوضات، وأخيرًا يُشبِع شهوته الجنسيَّة الأنانيَّة، مُدمِّرًا براءتي ونقائي وثقتي هناك على سريره. كان لديهما شريط موسيقيٌّ يُشغِّلانه ليُمهِّدا لي ما كان آتيًا. كم أردتُ أن أخبِر أحدًا، ولكنَّني عرفتُ أنَّ والدَيَّ لن يُصدِّقاني! لم أتمكَّن من الوثوق بأمّي أو إخبارها بأسراري؛ فلم يكن لديها الوقت أو الرَّغبة لسماع أيٍّ من قصصي السَّخيفة الَّتي أحملها من المدرسة، فكيف كانت ستستجيبُ لقصَّة حقيقيَّة كانت ستُدمِّر عائلتنا؟ كم كنتُ أتوق إلى ذلك الرّابط بيني وبين أمّي، ولكنَّها كانت مشغولة في الحياة. كما لم أرغبْ بفضح أعمال أخوَيَّ الشِّرّيرة حتّى رغم استغلالهما لي؛ فأن أفقِدَ حُبَّهما كان يعني فعليًّا أنَّني سأغدو وحيدةً وأنَّني غير محبوبة، لذلك حملتُ ذلك السِّرَّ حتّى سحق ثقله قلبيَ الصَّغير.

لم تتوقَّف الإساءة حتّى بلغتُ التّاسعة من عمري، عندما ترك أخي الأكبر البيت. بصورة ما، تمكَّنتُ من صدِّ محاولات استِدراج أخي الثّاني، ربَّما كونه كان شريكًا في الجريمة أدركَ مدى خطأ أفعالهما. ولكنَّ النَّتائج تكشَّفَت في أقوى صورها في سنيِّ مراهقتي؛ فجسدي كأنثى أبدا ردَّ فعلٍ للتَّحرُّش الجنسيِّ السّابق الَّذي تعرَّضتُ له في الطُّفولة، فكنتُ مشغولة بتخيُّلاتي الجامحة حول الجنس، وكنتُ مهووسة بشابٍّ في صفّي، وعالقةً في ممارسة العادة السِّرِّيَّة. ثِقَل الذَّنب والخزي اللَّذين كنتُ أشعرُ بهما كان لا يُحتَمَل، شعرتُ أنَّني في غاية القذارة وعدم الاستحقاق، كما لو أنَّني قد خُلِقتُ فقط من أجل الجنس.

ازدادت مشاعر عدم القيمة إذ كان ما وفَّرته عائلتي ومجتمعي لي هو الحُبَّ المشروط، كانوا يقولون: "أحِبُّكِ إن أحرزتِ علاماتٍ كاملة في المدرسة، أو أحبُّكِ لأنَّكِ فتاة مطيعة وتتصرَّفين تصرُّفات جيِّدة، ولكنَّكِ إن ارتكبتِ خطأ ستتحوَّل محبَّتي إلى كراهية. أو أحبُّكِ لأنَّ والدَيكِ لديهما الكثير من المال، أو أحبُّكِ لأنَّ شخصيَّتكِ قويَّة، ولكنَّني أكره تلك الفتاة لأنَّ شخصيَّتها ضعيفة." كم كنتُ أتوق إلى أن أكون محبوبة لا لأيِّ سبب آخر عدا أنَّني جديرة بالحُبِّ، لا لأجل أنَّني جذّابة جنسيًّا، أو لأنَّ درجات تحصيلي الدِّراسيّ جيِّدة أو سلوكي جيِّد، ودون أن يكون عليَّ "استجداء" المحبَّة واكتسابها بأيَّة طريقة. أردتُ فقط أن أحَبَّ لذاتي.

بكيتُ ليالي وذرفتُ دموعًا لا تنتهي وسكبتُ صلواتٍ لا تُعَدّ نتيجة الجرح الَّذي أحمله، باحثةً عن إجاباتٍ أو شخصٍ يسمع، يقدر أن يفهم ويشعر ما أشعر به، ويساعدني أن أرى أنَّ لديَّ مستقبَلًا ينتظرني. يسُرُّني أن أقول إنَّ الصَّلاة في طريقها للاستِجابة بمعونة اللَّه، فهو لم يكن ينتظرني أن أكون كاملة ليُحِبَّني، ولم يحبَّني لمقاصد أنانيَّة، إنّما أحبَّني كما أنا، لقد سكبَ محبَّةً من قلبه إلى قلبي، وها هو يسترِدُّ براءة ونقاء قلبي وذهني.

ولكنَّها رحلة، وأحيانًا أرجع إلى دوّامات حياتي السّابقة بدلًا من سلوك طريق الشِّفاء، وأحيانًا ألعب لعبةَ "إلقاء اللَّوم"؛ ألوم فيها أحد والدَيّ، ثمَّ أحوِّل اللَّوم إلى الله، وبعدها أُلقي بكامل اللَّوم على المجتمع العربيِّ. أحيانًا أبحث عن تبريرات لمَن آذوني وأحيانًا أخرى ألومهم. ولكنَّ عدوّي ليس أخوَيَّ، ولا مَن أخفقوا في أداء مهمَّتهم في حمايتي ومحبَّتي، إنَّما عدوِّي الحقيقيّ هو الإساءة نفسها، الَّتي تمَّت غلبتها من خلال عمل اللَّه المُستَمِرّ في حياتي. أمّا بالنِّسبة إلى مَن آذوني، سأغفر لهم؛ فلا يمكنني أن أستمِرَّ في حياتي إن كنتُ أحمل كراهية ومرارة. إن اختَرتُ أن أغفر وأحبَّ، فإنَّني سأكسر قيود الألم الَّتي تُكَبِّلني وتُعيقني عن إحراز أيِّ تقدُّم في الحياة ــــــــــــــ حتّى وإن لم يعتذروا أبدًا أو يُدركوا كم دمَّروا وآذَوا بشدَّة الطِّفلة الصَّغيرة الَّتي كانت أنا. سأختار أن أغفر.

بعد سنوات من كتابتي للقصَّة، أتأمَّل فيها ولا يسعني إلّا أن أفكِّر بعظَمَة الله الَّذي وجدني في خِضَمِّ عذابي وصراعي، وأنقذني بمحبَّته غير المشروطة، لا يمكنني إلّا أن أشكره على رحمته وفضل نعمته. كنتُ أتمنّى لو أنَّ الشِّفاء يحدث في ليلةٍ وضُحاها، ولكنَّ الحال ليس كذلك، فالجرح يستغرقُ وقتًا ليلتئم ويُشفى، ولكن من الضروريِّ أن نتصرَّف في الحال لإيقاف النَّزف قبل أن يستنزِفنا ويُضعِفنا. لقد أتيحَت لي الفرصة لمواجهة التَّصرُّف الخاطئ الَّذي تمَّ ارتكابه في حقّي، ولفضح الخطيَّة، وإطلاق المُسيء إلى النّور، أتيحَت لي الفرصة أن أطلق الغفران للمُسيئين إليَّ. لربَّما تعتقدين أنَّ مَن آذوكِ وسبَّبوا هذا الألم والتَّشويه البالغَين في حياتك ـــــ لا يستحقّون الغفران، ولكنَّ هذا القرار بالنِّسبة إليَّ كان هو المُحَرِّر. الغفران هو قرار أتَّخذه كلَّ يوم وفي كلِّ مرَّة أتذكَّر شيئًا من الماضي. مهما كانت قصَّتُكِ، تضرَّعي إلى الله الحيِّ، جِدي فيه المحبَّة الَّتي تتوقين إليها، اقبَلي الغفران من يده، واسأليه أن يساعدَكِ أن تغفري.

 


إن كنتِ عزيزتي قد تعرَّضتِ إلى شكلٍ أو أكثر من أشكال الإساءة الجنسيَّة، أشجِّعكِ على التَّواصل معنا بسِرِّيَّة تامَّة، وسنعمل جاهدين على مساعدتكِ بمعونة الله. فالتَّعافي ليس أمرًا مُستحيلًا بل هو في متناول يدكِ -إن كنتِ جاهزةً لأخذ خطوات صغيرة واحدة تلو الأخرى نحوه- فالتَّعافي لا يحدث بكلمة واحدة أو قرار مُنعزِل أو فعل واحد. كما أنَّه لا يتمُّ بين ليلة وضُحاها، بل هو رحلة تتخلَّلها الكثير من المطبّات الَّتي ربَّما تُرعِبُكِ حاليًّا، لكنَّ نتائجَها ستُثري حياتكِ وتجعلكِ أقوى ممّا كنتِ تتخيَّلين.

 

مواضيع ذات صلة:

مذكّرات زوج - الجزء الأوَّل

مذكّرات زوج - الجزء الثّاني

إلى الرَّجل الَّذي أساء إليَّ

أنتَ تشفي

 

للمشاهدة:

قصة واقعية لفتاة عربية

الحلقة الثانية عشرة / الحب الشجاع - بكفي نخبي

فتاة عربية تشارك قصتها مع الإساءة الجنسية

 

 

إضافة تعليق
بريد إلكتروني

 

أو يمكنك التواصل معنا بمسج خاصة عبر صفحتنا على الفيسبوك