موضوعات أخرى

لبسة العيد

موقف القلب
لبسة العيد
بقلم : فؤاد قاقيش

كم هي جميلة؛ أيَّام نتذكر فيها أحلام الطُّفولة وحقيقتها! كيف كنَّا عندما يأتي هذا الشَّهر المدعوُّ كانون الأوَّل البارد  بأمطاره وثلوجه، والدَّافئ بجو المحبَّة المتدفِّق من السَّماء والعائلة. نعم حينما يأتي يبدأ فرح في قلوبنا ولا يعود لنا أيُّ حديث إلَّا متى سوف نزيِّن الشَّجَرة، وفي قلوبنا أمنيات أن يكون يوم الميلاد يومًا أبيضَ مغطىً بالزَّائر الأبيض، فنلعَب معًا بالثُّلوج حتى تتخدَّر أيدينا. ثم ننام لننتظر يوم العيد، فنستيقظ على صوت أبينا وأمِّنا يتحدَّثان عن برنامج الزِّيارات اليوميِّ، وهم يحملون همومًا كيف سوف يجمعون عشرين زيارة في يوم واحد، بينما نحن سعداء لأنَّنا فقط نريد الخروج من البيت والتَّمتُّع معهم. والسَّبب الأساسيُّ لسعادتنا لا يكمن فقط في التَّجوُّل من بيت إلى بيت، بل في أن يرى كلُّ النَّاس ملابسَنا الجديدة، فلطالما  كان أكثر ما يُبهِجنا في العيد هو لبسة العيد، فلها رونقها الخاصُّ الَّذي يُعطينا السَّعادة أكثر من أيِّ شيء آخر، لنتباهى بها بين أصدقائِنا وندَّعي معرفَتَنا بأنَّها أفضل نوع في السُّوق، ولا يوجد مثله لأنَّنا اقتَنَعنا بكلام البائع الَّذي اخبَرَنا أنَّ نوعَ القماش هو تركيٌّ فاخِر، ولكنَّه هو فقط مَن يعرِض هذا السِّعر لعِدَّة أسباب ذكرَها لنا، ربَّما أحتاج المقالةَ كلَّها لشَرحِها، وربَّما لأنَّني لم أعُد أصَدِّق كلَّ هذه الأسباب الآن.  

الآن كبرتُ وبدأَتِ الحياة تتغيَّر والأدوار تنقلبُ؛ فلم أعُد ذلك الطِّفل الَّذي تُبهِجه تلك الملابس، بل لم أعُد أهتمُّ حتَّى لو بقيتُ في ملابسي القديمة، ولكنَّني أصبحتُ أبحث عن ملابس أكسو فيها ذلك العُري الموجود في داخلي، ولم أجِده إلَّا يومَ كنتُ أقرا في كتاب يُدعى " كلمة الحياة"، وجدتُ فيه أنَّ هناك نوعًا جديدًا من الملابس، وكانت بالحقيقة نوعًا مختلِفًا من الملابس الَّتي أصبَحْتُ أحيا من أجل أن أحصل كلَّ يوم على قطعة واحدة منها؛ فهي ليسَت فقط تُبهِجُني بل تُسعِدُ قلوب الآخرين أيضًا، والأهَمُّ من ذلك أنَّها تُسعِد قلبَ الخالق الَّذي يسترني بها كلَّ يوم، فدعوني أخبِرُكم بها وأخبرُكم عنها بعد ذلك...

12 فَالْبَسُوا كَمُخْتَارِي اللهِ الْقِدِّيسِينَ الْمَحْبُوبِينَ أَحْشَاءَ رَأْفَاتٍ، وَلُطْفًا، وَتَوَاضُعًا، وَوَدَاعَةً، وَطُولَ أَنَاةٍ،13 مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَمُسَامِحِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا إِنْ كَانَ لأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ شَكْوَى. كَمَا غَفَرَ لَكُمُ الْمَسِيحُ هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا. 14 وَعَلَى جَمِيعِ هذِهِ الْبَسُوا الْمَحَبَّةَ الَّتِي هِيَ رِبَاطُ الْكَمَالِ. (كولوسي 3: 12-14)  

فهل أُخبِركم عن القطعة الأولى، والَّتي هي أحشاء الرَّأفات، ذلك القلب الشَّفوق والحنون؟ أمَّ اللُّطف، تلك الرُّوح غير الأنانيَّة الَّتي تعمل لأجل الآخرين؟ وذلك الرِّداء الجميل المدعوُّ بالتَّواضع، والاستعداد لقبول الآخرين حتَّى لو تعدَّى ذلك علينا. أمَّا رداء الوداعة، فيعتقد الكثيرون أنَّ هذا النَّوعَ من القماش يتَّسِم بالضَّعف، ولكن لا، بل بالحرِيِّ هو القدرة عل إنكار الذَّات والتَّصرُّف بكياسة مع جميع النَّاس. وكما قال أحدهم: هي حالة من الاتِّزان تنعَمُ بها الرُّوح، ولا تكون فيها متشامخة ولا مُنحَنية، إذ إنَّها -وبكّل بساطة- غير مُنشَغِلة بالذَّات على الإطلاق. وإذا كان التَّواضع هو ”عدم الكبرياء“، فالوادعة هي ”عدم الانفعال“.

أمَّا أجمل وأهمّ لباس -والَّذي لا بُدَّ من وجوده مع أيِّ نوع مهما اختلَفَ لونه ودرجته- فهو المحبَّة الَّتي هي الرِّداء الخارجِيُّ والحزام الَّذي يربط سائر القِطَع الأخرى جميعها معًا لإضفاء الكمال. إنَّها تُمسِك -بشكل مُتناسِق- جميعَ نواحي حياتي، إنَّها هي نفسها المحبَّة الَّتي كشَفَت العُري الَّذي في داخلي، وألبَسَتني رداءَ خلاص جديدًا.

فلنكن لاهثينَ خلفَ هذه الملابِس؛ لأنَّنا في الحقيقةِ -وفي الكثير من الأحيانِ- عُراة جدًّا أكثر حتَّى مما نعتَقِد، ولنَعلَم جيِّدًا أنَّه جاء لكي يكسوَ هذا العُريَ، فنزداد جمالًا يُرى في الظَّلامِ والنَّهار.

إضافة تعليق
بريد ألكتروني