موضوعات أخرى

وسائل عملية لاكتشاف هويتك

موقف القلب
وسائل عملية لاكتشاف هويتك
بقلم : كارولين فاخوري

هل رأيتِ يومًا تلك الصورة التي تُظهر هرة تتأمل في انعكاس لها لترى أسدًا؟ لطالما أبهرَتني هذه الصورة. في الحقيقة، كنتُ أعتقد بداية أنها أكبر خدعة نفسية، لكن، كلما تعرفتُ على هويتي أكثر رأيتُ هذه الصورة بشكل أعمق. كيف؟ تابعي معي القراءة.

 

أربعة مصادر تشكّل هويتي

بداية، علينا أن نتحدى بعض الأفكار التي قمتِ لا شعوريًّا بتبنّيها من العالم الذي تعيشين فيه لتحديد هويتك. فنحن، البشر، نستقي هويتنا عمومًا من أربعة مصادر أساسية هي: 

  1. العائلة: فما تُمليه علينا عائلتنا من أفكار وإعلانات عن هويتنا منذ طفولتنا المبكِّرة يتجذَّر عميقًا في شخصيتنا عند البلوغ.
  2. المجتمع: وما نتعلَّمه من المجتمع عمومًا في المدرسة والجامعة ومكان العمل يعزِّز تلك الصورة الأساسية التي شكّلناها من العائلة.
  3. الخبرات الشخصية: ومن ثم تؤكد الخبرات الشخصية بعض الأفكار، فنزداد قبولًا لها أو نرفضها.
  4. الفكر القابل للتعليم: ومن ثم يأتي دور النضوج في فكرنا، فنتعلم المزيد عن هويتنا من آرائنا الشخصية وعلاقاتنا واجتهاداتنا في تعلُّم ما هو صحيح ومفيد. 

وفي هذا السياق يؤدي الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي بمختلف منصاتها عنصرًا مهمًّا في مصادر التعلم. ولكننا غالبًا ما ننسى الرجوع إلى المصدر الأساسي والأول في إعلان هويتنا الحقيقية، وما هو أفضل معلّمٍ لنا في هذا الزمن سوى الكتاب الوحيد الذي يعلِّمكِ الحق ليحررك من كل قيود أفكارك ويكشف كل زيف: الكتاب المقدس.

 

كيف أعيد اكتشاف هويتي من خلال الكتاب المقدس؟

نجد في إنجيل لوقا مثلًا رواه الرب يسوع يعكس تشكيل الهوية الذاتية مسلِّطًا الضوء على هذه المصادر الأربعة إذ يعلِّم البشير لوقا عن لسان الرب يسوع: "إنسانٌ كانَ لهُ ابنان. فقالَ أصغَرُهُما لأبيهِ: يا أبي أعطِني القِسمَ الّذي يُصيبُني مِنَ المالِ. فقَسَمَ لهُما مَعيشَتَهُ. وبَعدَ أيّامٍ لَيسَتْ بكَثيرَةٍ جَمَعَ الِابنُ الأصغَرُ كُلَّ شَيءٍ وسافَرَ إلَى كورَةٍ بَعيدَةٍ، وهناكَ بَذَّرَ مالهُ بعَيشٍ مُسرِفٍ. فلَمّا أنفَقَ كُلَّ شَيءٍ، حَدَثَ جوعٌ شَديدٌ في تِلكَ الكورَةِ، فابتَدأَ يَحتاجُ. فمَضَى والتَصَقَ بواحِدٍ مِنْ أهلِ تِلكَ الكورَةِ، فأرسَلهُ إلَى حُقولهِ ليَرعَى خَنازيرَ. وكانَ يَشتَهي أنْ يَملأَ بَطنَهُ مِنَ الخُرنوبِ الّذي كانتِ الخَنازيرُ تأكُلُهُ، فلَمْ يُعطِهِ أحَدٌ. فرَجَعَ إلَى نَفسِهِ وقالَ: كمْ مِنْ أجيرٍ لأبي يَفضُلُ عنهُ الخُبزُ وأنا أهلِكُ جوعًا! أقومُ وأذهَبُ إلَى أبي وأقولُ لهُ: يا أبي، أخطأتُ إلَى السماءِ وقُدّامَكَ، ولَستُ مُستَحِقًّا بَعدُ أنْ أُدعَى لكَ ابنًا. اِجعَلني كأحَدِ أجراكَ. فقامَ وجاءَ إلَى أبيهِ. وإذ كانَ لَمْ يَزَلْ بَعيدًا رآهُ أبوهُ، فتحَنَّنَ ورَكَضَ ووقَعَ علَى عُنُقِهِ وقَبَّلهُ. فقالَ لهُ الِابنُ: يا أبي، أخطأتُ إلَى السماءِ وقُدّامَكَ، ولَستُ مُستَحِقًّا بَعدُ أنْ أُدعَى لكَ ابنًا. فقالَ الأبُ لعَبيدِهِ: أخرِجوا الحُلَّةَ الأولَى وألبِسوهُ، واجعَلوا خاتَمًا في يَدِهِ، وحِذاءً في رِجلَيهِ، وقَدِّموا العِجلَ المُسَمَّنَ واذبَحوهُ فنأكُلَ ونَفرَحَ، لأنَّ ابني هذا كانَ مَيِّتًا فعاشَ، وكانَ ضالًّا فوُجِدَ. فابتَدأوا يَفرَحونَ. وكانَ ابنُهُ الأكبَرُ في الحَقلِ. فلَمّا جاءَ وقَرُبَ مِنَ البَيتِ، سمِعَ صوتَ آلاتِ طَرَبٍ ورَقصًا. فدَعا واحِدًا مِنَ الغِلمانِ وسألهُ: ما عَسَى أنْ يكونَ هذا؟ فقالَ لهُ: أخوكَ جاءَ فذَبَحَ أبوكَ العِجلَ المُسَمَّنَ، لأنَّهُ قَبِلهُ سالِمًا. فغَضِبَ ولَمْ يُرِدْ أنْ يَدخُلَ. فخرجَ أبوهُ يَطلُبُ إليهِ. فأجابَ وقالَ لأبيهِ: ها أنا أخدِمُكَ سِنينَ هذا عَدَدُها، وقَطُّ لَمْ أتَجاوَزْ وصيَّتَكَ، وجَديًا لَمْ تُعطِني قَطُّ لأفرَحَ مع أصدِقائي. ولكن لَمّا جاءَ ابنُكَ هذا الّذي أكلَ مَعيشَتَكَ مع الزَّواني، ذَبَحتَ لهُ العِجلَ المُسَمَّنَ! فقالَ لهُ: يا بُنَيَّ أنتَ مَعي في كُلِّ حينٍ، وكُلُّ ما لي فهو لكَ. ولكن كانَ يَنبَغي أنْ نَفرَحَ ونُسَرَّ، لأنَّ أخاكَ هذا كانَ مَيِّتًا فعاشَ، وكانَ ضالًّا فوُجِدَ."

يوضح هذا المثل قصة شخصيَّتين لم تدركا ماهية هويتهما الحقيقية وتاهتا في دوامة الحياة في بؤس وشقاء وألم إلى أن اكتشفتا حقيقة حب أبيهما لهما. تعالي معي نكتشف معًا بعض المصادر التي نعتقد أنها تشكِّل هويتنا من خلال هذا المثل، ونتحدّى أفكارنا ومعتقداتنا من خلال بعض الأسئلة:

  1. المال والممتلكات: هل ترين قيمتك وهويتك في مدى ثرائك أو فقرك؟ هل تعتقدين أنكِ تكونين أعلى شأنًا إذا كنتِ تملكين المال والسيارة والقدرة على اقتناء ما ترغبين به من أغلى السلع؟ هذا ما اعتقده الابن الأصغر.
  2. الحرية والاستقلالية: هل تعرِّفين نفسك بأنكِ حرَّة نفسك تفعلين ما تشائين؟ هل تختارين قطع الروابط بينك وبين عائلتك التي قد تعتبرينها تشكل تهديدًا لمدى استقلاليتك وحريتك في التصرف كما تشائين؟ هذا ما فعله الابن الأصغر.
  3. النجاح في العمل: هل تتَّضح هويتك، مثل الابن الأكبر، في مركزك الاجتماعي ومنصبك المهني بصرف النظر عن مشاعرك الدفينة أو نظرتك الذاتية لنفسك؟ هل ترَين هويتك تنعكس في نجاحك أو فشلك في أداء عملك؟ 
  4. العلاقات: هل تعتقدين أنَّ هويتك تزداد قيمة إذا كنتِ تحيطين نفسك بالعديد من الأصحاب (وليس بالضرورة أصدقاء)؟ وهذا ما اعتقده كلا الابنَين.
  5. الشعبية: هل تعتقدين أن هويتك تقوى إذا كنتِ تحظين بالشعبية بين الناس؟ هذا ما جاهد كل من الابنين للحصول عليه- ما رأيك في استخدامك لمواقع التواصل الاجتماعي سواء كان محتوى منشوراتك أو متابعتك لمنشورات الآخرين؟ 
  6. القدرة على التعبير وإقناع الناس: هل تعتقدين أنَّ طباعك وأسلوبك في التعامل وقدرتك على التعبير عن مشاعرك تشكل جزءًا كبيرًا من هويتك؟ هذا ما استخدمه كلا الابنين في حديثهما مع والدهما.

هيا نتحدّى أفكارك:

هل تمكنتِ من الإجابة عن كل الأسئلة؟ ما هي الأسئلة التي شكّلت تحديًا لأفكارك وسلوكياتك؟ (شاركي معنا من خلال التعليقات). ربما تستطيعين إضافة الكثير من النقاط الأخرى لما سبق، فما هذه إلا بعض الأمثلة التي نتعلَّمها من الكتاب المقدس عن هويتنا. وهنا يأتي السؤال الكبير: ما هي هويتي؟

توضح أولى صفحات الكتاب المقدس هويتك الحقيقية، إذ يعلم الكتاب المقدس في أول أصحاحات سفر التكوين وعدد 26 أنَّ الله قال: "نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا، فيتسلطون على... وعلى كل الأرض..."، ولم يكتفِ الله بالتفكير بذلك بل نفّذ الأمر مباشرة إذ تكمل الآية التالية "فخلق الله الإنسان على صورته (27). وباركهم الله (28)." فما هي هويتك؟ هويتك أنكِ صورة مطابقة للأصل عن الله. 

المضحك في موضوع الهوية هذا، الذي يشكّل تحديًا لكل إنسان، هو أنَّ كل النقاط التي تحدت أفكارك منذ قليل هي ملكك منذ تنشَّقتِ نَفَس حياتك الأول. فأنت جميلة ومحبوبة ومعطاءة ولكِ سلطان، لأنَّ هذه هي شخصية الله التي حصلتِ عليها منذ لحظات تشكيلك الأولى في رحم أمك. فأنتِ عضو مثمر؛ لأنك جزء من عائلة تحبك وترعاكِ وتقبلك أثناء كل مراحل التغيير في حياتك وشكلك وأفكارك. وأنتِ إنسانة مؤثرة في الآخرين؛ لأنَّ لكِ مواهب كثيرة باركك فيها الله. وأنتِ مستقلة في رأيك ومسؤولة عن نتائج قراراتك برغم كونك عضوة في مجموعة تحيط بكِ وتقدم لكِ المشورة. فأين المشكلة إذًا؟ ولماذا الضياع؟

نفقد رؤيتنا لهويتنا الحقيقة عندما ننجرف وراء أكاذيب وفخاخ الشيطان الذي يزرع أفكارًا مغلوطة ومخادعة في أذهاننا مطالبًا إيانا بالعمل للحصول على ما هو حق لنا منذ البداية (مثل الابن الأكبر)، أو الانفصال عن معيلنا الأول ورفضه لكي نعيش بحسب أهوائنا الفاسدة (مثل الابن الأصغر). لكن هذه ليست نهاية القصة، فهنالك رجاء بالعودة والتصحيح والتقويم والتوبة إلى أبينا السماوي عند طلب الالتصاق بمصدر هويتنا (مثلما فعل الابن الأصغر أخيرًا) والتعلُّم منه ومحاججته والفهم منه (مثلما فعل الابن الأكبر).

 

كيف أعيد اكتشاف هويتي الحقيقية؟

فالطريقة لاكتشاف هويتك الحقيقية هي بقبول الحق الذي يُعلنه الله لكِ منذ الصفحات الأولى لكلمته المقدسة المكتوبة، ومن ثم بنائها من خلال التمسك بهذه الكلمة ودراستها والتعلم منها وصولًا إلى آخر صفحات الكتاب المقدس لكشف الزيف وتعلُّم الحق الذي يحرِّرك من كل فخاخ العدو المزينة بالأكاذيب. كيف؟ تذكري هذه الطرق البسيطة:

  1. عندما تنظرين إلى نفسك في المرآة، لا تتطلَّعي بعينك البشرية أو بعين قِيَم العالم، بل انظري إلى نفسك بعين الله الذي يحبك وخلقك على صورته وشبهه. 
  2. احرصي على تعلُّم كلمة الله والالتصاق بها؛ لأنها سراج لرجليك ونور لسبيلك لكي تتمكني من كشف كل زيف ورفض الأكاذيب عن نفسك. 
  3. انمي بأن تتعلمي تصحيح المفاهيم المغلوطة التي اكتسبتِها لا شعوريًا من العالم وخبراتك الشخصية من خلال تسليط نور حقيقة أنك مخلوقة على صورة الله ومثاله.
  4. اطرحي أسئلتك- مهما كانت صعبة- أمام الله من خلال علاقتك الشخصية معه لتتحدّي هذه المفاهيم. وتذكري أنَّ كل كذبة تصدقينها عن نفسك هي إعلان مضِلّ عن حقيقة الله الذي خلقكِ. 

أعلم أن هذا يبدو سهلًا جدًّا، لكن الواقع هو أنَّ أقصر طريق لتحقيق مقاصدك هو الخط المستقيم. فلا تُضلّي نفسك بما تسمعينه من حولك، فأنتِ لكِ قيمة، وهذه هي هويتك الحقيقية. 

ستجدين في هذا الموقع الكثير من المقالات المفيدة التي تعلِّمكِ عن هويتك، فلا تتردَّدي في قراءتها وطرح الأسئلة التي تدور في ذهنك في خانة التعليقات، ففريق المرأة العربية اليوم مؤهل ليساعدك على البحث عن الإجابات التي تبنيكِ.


المراجع:
الكتاب المقدس: - إنجيل لوقا، الأصحاح 15، - سفر التكوين

 

إضافة تعليق
بريد إلكتروني

 

أو يمكنك التواصل معنا بمسج خاصة عبر صفحتنا على الفيسبوك