موضوعات أخرى

تحرَّري؛ قد نزع عاركِ وعلَّق خزيكِ

موقف القلب
تحرَّري؛ قد نزع عاركِ وعلَّق خزيكِ
بقلم : يزن ملكونيان

لم يُدرِك الناس مدى صعوبة المواجهة مع نفسي أمام المرآة كل يوم. ما إن أنشر الصورة اليومية لفنجان القهوة أو لوجهي الجميل لأرى تفاعل الناس مع هذه الصور على وسائل التواصل الاجتماعي ـ حتى يعود الصوت الداخلي لينخر فيَّ من جديد ويقول: "من برا الله الله ومن جوا يعلم الله!"

وأستمر على هذه الحالة، فبالرغم من حاجتي إلى الشفاء من العار والخزي الذي تعرَّضت إليه أو سبَّبته في حياتي، يبقى الصراع ما بين الواقع والمُراد، ويسطَع ضوء الاحتياج أمام عينيّ لكسر هذه الدائرة. والجدير بالاهتمام أنَّ الواقع لا يمكن تغييره، فالشيطان يُريد إبقائي في الواقع المُخزي بينما يريد الله أن يقودني إلى المُراد المشرِق، ويبقى الصراع الداخلي ما بين رغبة الله وقوة الشيطان. 

تخدير لا شفاء

من الجيد أن تُدرِكي أن رغبة إبليس أن يطبطب على جراحكِ لكنه بالتأكيد لا يُريد شفاءها، ودعيني أخبركِ أنَّ محاولة الشفاء الحقيقية لهذا الخزي على مرِّ التاريخ لم تكن بمعالجة الظاهر وإنما بمعالجة الباطن. نحن لا نريد معالجة الثمار وإنما معالجة الجذور التي تُنتج هذه الثمار. لكن ما الفرق بين الثمار والجذور؟ وكيف يمكنك الخروج من دائرة الشعور المستمر بالخزي؟

بالتأكيد، إنَّ محاولة علاج الظاهر هي كمحاولة وضع الطلاء على جدران مليئة بالعَفَن، تُظهِر لأيام محدودة مدى جمال ونقاء الحائط لكن ما إن تأتي ظروف جوية معاكِسة يبدأ العفن بالظهور للخارج. وعلى نفس المنوال عندما تحاولي معالجة آثار العار والخزي في حياتكِ، فهناك مَن تعيش حالة من الإنكار للواقع الذي تحياه، لتؤكِّد لنفسها أنَّ ما حدث لا يستحقُّ الشعور بالعار. وهناك مَن تلوم الآخرين لتُبرئ موقفها بأنَّ ما حدث يجب أن يُشعِر الآخرين بالخزي لا أنا، وأخرى تختلق الأعذار لتبرِّر أنَّ ما حدث له أسبابه وتداعياته وكأنَّ الغاية تبرِّر الوسيلة. لكن ما إن تأتي ظروف صعبة على حياتنا مثل أن نلتقي بشخص سبَّب لنا العار وأشعَرَنا بالخزي حتى تظهر إلى السطح مجدَّدًا كل مشاعر الخزي والعار التي حاوَلْنا إخفاءها على مدى فترات طويلة. وهذه هي الحالة التي يريدكِ إبليس أن تبقي فيها؛ حالة من التخدير للواقع المرير الذي تحيينه بشكل يوميّ، وليست شفاء حقيقيًّا لمشاعر العار والخزي في حياتكِ. 

 

الإله المحرِّر

لكن السؤال المهم الذي يجب التفكير فيه هو: هل يُريدكِ الله أن تبقي في هذه الحالة أم يُريد شفاء نفسكِ وتحريرك من هذه المشاعر؟ 

لأبدأ بمثال، إذا كنتِ في زيارة إلى بيت صديقة غالية عليكِ وكسرتِ كسرتِ قطعة فنية باهظة الثمن من دون قصد، فإنه ينتج عن ذلك شعور بالخجل والخزي لأنك تسبَّبتِ في كسر هذه القطعة، وسبَّبتِ الحزن لصديقتكِ أيضًا. لكن ما إن ذهبتِ إلى المنزل حتى أخبرتِ والدكِ- والذي هو غنيّ جدًّا- بما حدث، واعترفتِ له أنك أخطأتِ. ولأنَّ والدك يحبكِ جدًّا، ويريد شفاء مشاعر الخزي الذي نتج عن ذاك الحدث؛ فإنه قرر أن يذهب ويشترى نفس القطعة الفنية لا بل وأجمل من الأولى، وأرسلها إلى صديقتك. تخيَّلي معي تلك اللحظة، التي تُكلمك صديقتك فيها عبر الهاتف وتقول لك إنَّ والدكِ اشترى لها قطعة باهظة الثمن، وشكلها كما الأولى لا بل وأجمل. تخيَّلي معي تلك اللحظات، كم هي مليئة بالشفاء من الشعور بالذنب والخزي!

 

بدايةً، دعيني أقول لك التالي: أن نشعر بالذنب هو أمرٌ صحيّ، وإن كنتِ مُخطئة فمن الجيد جدًّا إدراكك لهذه الحقيقية أنكِ أخطأتِ. وأحد أكثر المواقف التي يصعُب علينا فعلها هو الاعتراف؛ لأننا نشأنا في ثقافة جعَلتِ الاعتراف ضعفًا، والانكسارَ ذُلًّا، والكبرياء عزَّة نفس، والتظاهر قوة. لكن ماذا عن الله؟ وما موقفه من هذا؟

 

  1. الاعتراف والتوبة

 يُخبرنا الكتاب المقدس الموحى به من الله في رسالة يوحنا الأولى 1: 9 هذه الكلمات: "إِنِ اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ." لذلك أول وأهم خطوة لكسر دائرة الشعور بالخزي هي الاعتراف للآب السماوي بأننا أخطأنا، ولأنَّ الله أمين وعادل ويحبُّ أبناؤه ولا يُريد لهم حياة الخزي والعار، سدَّد ثمن خطيتهم بموته على الصليب. وهذا ما حدث عندما عُلِّق يسوع على الصليب إذ أنه مكتوب: "لأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ." 2 كورنثوس 5: 21. لذلك نقطة البداية هي أن نعترف ونتوب إلى الآب السماوي، ونؤمن بعمل المسيح الكفّاري والذي صُلب من أجل خطايانا وأُقيم من أجل تبريرنا (الحكم علينا بالبراءة).

 

  1. قلب جديد لهوية جديدة

أمر آخر مهم هو أن الله يعطيكِ قلبًا جديدًا ليشكِّل هويتك الجديدة التي في المسيح، وهذا ما يغفل عن عقول كثيرة، وبالحقيقة نستطيع تغيير أشياء كثيرة في حياتنا لكننا لا نستطيع تغيير شهوات قلوبنا. كثيرات يحاولن تغيير أو تحسين قلوبهنَّ من خلال تحسين أفعالهنَّ لكنَّ الله يغيِّر قلبكِ ويستبدله ويعطيكِ قلبًا جديدًا وروحًا جديدةً، وينزع قلب الحجر ويعطيكِ قلبَ لحم. وهذا ما وعد به في سفر حزقيال "وَأُعْطِيكُمْ قَلْبًا جَدِيدًا، وَأَجْعَلُ رُوحًا جَدِيدَةً فِي دَاخِلِكُمْ، وَأَنْزِعُ قَلْبَ الْحَجَرِ مِنْ لَحْمِكُمْ وَأُعْطِيكُمْ قَلْبَ لَحْمٍ."  حزقيال 36: 26.  وبهذه الطريقة يُغيِّر الله رغبات قلبكِ ويعطيكِ رغباتٍ بالأعمال الصالحة. وتذكري أنَّ قلبًا جديدًا لا يعني حياة بلا خطية، وإنما توجُّهًا قلبيًّا جديدًا يرفض البقاء في حالة الخطيَّة.

 

  1. علاقات جديدة 

ولأننا كائنات علاقاتية، فإننا نحتاج إلى مجتمع صحي علاقاتيٍّ نشعر فيه أننا مقبولون وبنفس الوقت ننتمي إليه. وهذا ما أسَّسه المسيح على الأرض قبل صعوده إلى السماء "كنيسته" التي اقتناها بدمه؛ لأنه كان مُدركًا أهميَّة هذا المجتمع النقي لنا، هذا المجتمع المليء بالحب والرحمة والقبول غير المشروط كما أوصى المسيح شعبه بالوحي المقدَّس في فيلبي 2: 4: "لاَ تَنْظُرُوا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لِنَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لآخَرِينَ أَيْضًا." ووجودنا ضمن هذه العائلة يشكِّل هويتنا الجديدة ويُنمّيها في مخافة الله. 

وأخيرًا أريد أن أؤكد لكِ عزيزتي أنَّ مشاعر الخزي والعار التي تتملَّكك مكانها ليس في قلبك ولا نفسك ولا مشاعرك، ولا بأي مكان في حياتك. إنما مكانها هناك على الصليب، عندما حمل المسيح عارنا وخزينا ليريح كاهلنا من هذه المشاعر، وهذا ما أكَّده كاتب رسالة العبرانيين: "نَاظِرِينَ إِلَى رَئِيسِ الإِيمَانِ وَمُكَمِّلِهِ يَسُوعَ، الَّذِي مِنْ أَجْلِ السُّرُورِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَهُ، احْتَمَلَ الصَّلِيبَ مُسْتَهِينًا بِالْخِزْيِ، فَجَلَسَ فِي يَمِينِ عَرْشِ اللهِ." عبرانيين 12: 2. فقط انظري هناك، آمني بما فعله لأجلكِ واعترفي له بحاجتك إلى هذا القلب الجديد؛ لتنتمي إلى المجتمع الجديد (الكنيسة)، فتعيشي حياة جديدة مليئة بمشاعر الحُب والامتنان إلى الرب. 

 

عزيزتي، من المُضحك أن تُصدِّقي شخصًا يُقدِّم لك الوعود بأنكِ سوف تمتلكين الكثير وهو فارغ الجيب، لا بل والأغرب أن تتمسَّكي بتلك الوعود كالقشة التي سَتُنقِذ الغريق. لكن على النقيض تمامًا من هذا، قدَّم يسوع نفسه على الصليب وحمل عاركِ لتصيري بارَّةً. وإن عُدتِ إليه بالتوبة والإيمان؛ فإنك ستنالين نعمة التبرير أمام عدالته، ويمنحكِ قلبًا جديدًا وروحًا جديدةً، لا بل ويدعوكِ أيضًا إلى مجتمع علاقاتيٍّ جديد الذي هو جسد المسيح أي الكنيسة. 

Comments

إضافة تعليق
بريد إلكتروني

 

أو يمكنك التواصل معنا بمسج خاصة عبر صفحتنا على الفيسبوك