موضوعات أخرى

كيف يحدث التَّغيير؟

معرفة العقل
كيف يحدث التَّغيير؟
بقلم : الأخصَّائيَّة النَّفسيَّة دينا برقان

في المقالين السّابقين تحدَّثنا عن العوامل المؤثِّرة في تكوين الشَّخصيَّة، وأنَّ الوعي والإدراك لأثر هذه العوامل يؤثِّر على نظرة الإنسان وفكره عن نفسه وعن الحياة والعلاقات، وكذلك على اتِّخاذ خيارات وقرارات معيَّنة تُصبح -في النِّهاية- عوامل مؤثِّرة في حياة الشَّخص. عزيزتي، إنَّ ادراكك لتأثير هذه العوامل على خياراتِك وقرارتك يجعلكِ أنتِ المسؤولة عن قراراتِك الحاليَّة، والمستقبليَّة، وينقلك من كونِك ضحيَّة -ليست لديها القدرة على التَّغيير لعدم إدراكها لأسباب ما يحدث بحياتِها- إلى إنسانة واعية قادرة على التَّغيير لفهمِك لأسباب ما يحدث في حياتِك.

 

عزيزتي، الوعي والإدراك يقودان إلى المسؤوليَّة، والمسؤوليَّة تقود إلى القوَّة الَّتي تقود بدورها إلى التَّغيير.

عندما تدركين أنَّ الدّافع نحو علاقاتِك هو حاجتكِ إلى الحُبِّ والتَّقدير الَّتي لم تحصلي عليها من الطُّفولة، وأنَّ قبولكِ للبقاء في علاقات مسيئة هو نتيجة هذه الحاجة، عندها يبدأ السَّعي نحو التَّغيير. عندما تُدركين السَّبب في أنَّكِ تُعطين الأولويَّة لحاجات الآخرين ومشاعرهم حتّى ولو كانت تؤذيكِ، عندها سيبدأ التَّغيير.

كيف أبدأ بهذا التَّغيير؟

1 - راقبي نفسَكِ

في البداية تحتاجين أن تُراقبي نفسَكِ أي أن تُراقبي أفكاركِ ومشاعركِ، خصوصًا عندما تمرّين بمواقف وأحداث مُعيَّنة تولِّد لديكِ مشاعر معيَّنَة قد تجعلكِ تتصرَّفين، أو تتَّخذين قررارتٍ معيَّنة قد تؤثِّر سلبًا عليكِ، هذه سلسلة تتكرَّر في أغلب الأوقات، دعيني أوضِّحُها لكِ:

موقف معيَّن يولِّد أفكارًا حول الموقف وحول نفسِك تتولَّد مشاعر تصرُّفات بناءً على الأفكار والمشاعر

2 - حلِّلي مصدر هذه الأفكار السَّلبية والمشاعر

 وهنا يظهر دور إدراكِك لتأثير العوامل الَّتي ذكرناها: لماذا أشعر بهذا الشَّكل؟ ما هي الأفكار الَّتي ولَّدَت لديَّ هذه المشاعر؟ ما مصدر هذه الأفكار؟ أيُّ عامل من عوامل تكوين الشَّخصيَّة أثَّر في تكوين هذه الأفكار، أو ما تأثير كلِّ عامل من هذه العوامل على تكوين هذه الأفكار؟

3 – تحدّي هذه الأفكار السَّلبيَّة   

ما هو الدَّليل على صِحَّة هذه الأفكار؟ ناقشي نفسَكِ وحاولي أن تجدي إن كانت هناك أدلَّة مُقنِعة وكافية لدعم هذه الأفكار الَّتي تتعلَّق بهذا الموقف نفسه، وليس بأيَّة مواقف سابقة.

4 – أعيدي صياغة هذه الأفكار

حاولي إعادة التَّفكير بالمواقف بطريقة إيجابيَّة، فلا تجعليها شخصيَّة أو دائمة، ولكن اجعليها تتعلَّق بالموقف نفسه وليس بكِ شخصيًّا.

مثال (دون وجود الوعي والإدراك للعوامل)

تعرَّضتِ إلى مشكلة في العمل وتحتاجين إلى استشارة زميل لديهِ خبرة أكثر منكِ. (الموقف)

بدأتِ تفكِّرين: يجب أن أجد الحلَّ وحدي، لا أريد أن أشكِّل عبئًا على أحد، أنا فاشلة؛ لأنَّني لا أستطيع أن أجد الحلَّ. (أفكار)

أصبحتِ تشعرين بالإحباط، والكراهية، والازدِراء، والغضب تجاه نفسِك. (مشاعر)

قد تفرِّغين غضبَكِ فيمَن حولِك، أو قد تسمحين لمَن حولك بازدرائِك والإساءة إليكِ دون ردٍّ، فأنتِ مُقتَنِعَة بأنَّكِ فاشلة. (تصرُّفات)

 

مثال (بوجود الوعي والإدراك للعوامل)

تعرَّضتِ إلى مشكلة في العمل وتحتاجين إلى استشارة زميل لديهِ خبرة أكثر منكِ. (الموقف)

بدأتِ تفكِّرين: يجب أن أجد الحلَّ وحدي، لا أريد أن أشكِّل عبئًا على أحد، أنا فاشلة؛ لأنَّني لا أستطيع أن أجد الحلَّ. (أفكار)

أصبحتِ تشعرين بالإحباط، والكراهية، والازدراء، والغضب تجاه نفسِك. (مشاعر)

لماذا أشعر بهذا الشَّكل؟

 ما هي الأفكار الَّتي لديَّ؟

 لماذا أفكِّر بهذه الطَّريقة؟

 قد ترجعين بذاكرتِك إلى الطُّفولة، ففي كلِّ مرَّة احتجتِ إلى مساعدة من أحد والدَيكِ أو كلَيهما، أخبراكِ بأنَّكِ تزيدين من أعبائهم اليوميَّة، وأنَّ عليكِ إيجاد الحلول بنفسِك وإلّا فأنتِ فاشِلة. (تحليل الافكار والمشاعر)

هل هذه أفكار واقعيَّة؟ هل لديَّ الخِبرة العمليَّة لحلِّ هذه المُشكلة؟ هل سيشعر هذا الزَّميل بالعِبء إذا طلبتِ مساعدته، ما الدَّليل؟ (تحدّي الأفكار)

من الطَّبيعي ألّا أعرف الحلَّ، فأنا ليست لديَّ الخِبرة العمليَّة الكافية، وهذا طبيعيٌّ بالنَّظر إلى سنوات عملي، وهذا جزء من تكوين الخِبرة، فأنا لستُ فاشلة. لاحظتُ أنَّ هذا الزميل لا يمانع أن يُساعد الآخرين، لذلك لا أعتقد أنَّه سيشعر أنَّني عبء عليه إذا طلبتُ مساعدتَه. (إعادة الصِّياغة)

وهكذا، تكونين قد طلبتِ المُساعدة من زميلِك واكتسبتِ خِبرة جديدة (تصرُّفات جديدة/ تغيير)

عزيزتي، هذا مثال مباشر يوضِّح كيف سيُساعدكِ الإدراك والوعي على تغيير نتائج قراراتِك وخياراتِك، بالطَّبع ستمرّين بالعديد من المواقف بشكل يوميٍّ، وقد تكون أكثر تعقيدًا، ولكن هذه هي الخطوة الأولى الَّتي تضعكِ على طريق التَّغيير.

ولا تقلقي عزيزتي إن لم تستطيعي ممارستها من البداية؛ فالأفكار السَّلبيَّة تتولَّد بطريقة تلقائيَّة قد يصعب عليكِ في البداية ملاحظتها، لكن مع الممارسة وإيجاد طرق مختلفة تُناسبُكِ أنتِ -كشخصٍ مُختلِف ومُمَيَّز- ستستطيعين تحقيق التَّغيير الَّذي تسعين إليه.

مواضيع ذات صلة:

كيف تتكوَّن شخصيَّتي؟

ضحيَّة ولكن

إضافة تعليق
بريد ألكتروني