موضوعات أخرى

ضحيَّة ولكن

معرفة العقل
ضحيَّة ولكن
بقلم : الأخصَّائيَّة النَّفسيَّة دينا برقان

في المقال السّابق تحدَّثنا عن العوامل الَّتي تؤثِّر في تكوين الشَّخصيَّة، وهي العوامل الوراثيَّة والبيئة المُحيطة ثمَّ الخيارات؛ فالعوامل الوراثيَّة والبيئة المُحيطة تساهم في تشكيل نظرة الإنسان وفكره عن نفسه وعن الحياة والعلاقات، وبناءً على هذه النَّظرة يقوم الشَّخص باتِّخاذ قرارات وخيارات معيَّنة. في البداية تكون الخيارات نتيجة ثمَّ تصبح عاملًا يؤثِّر في تكوين الشَّخصيَّة وتطوُّرها، وبالرَّغم من أنَّها نتيجة العاملَين السّابقين -وخصوصًا البيئة المُحيطة- إلّا أنَّها تُصبح المؤثِّر الرَّئيسيَّ في تطوُّر شخصيَّة الإنسان؛ وذلك لأنَّ تأثير البيئة المحيطة يخزن بعمق في نفس الإنسان يصل الى اللّاوعي، فيقوده إلى اتِّخاذ قرارات وخيارات معيَّنة دون إدراك منه للسَّبب الَّذي يُحرِّكه للقيام بذلك.

إذًا هل أنا الضَّحيَّة هنا؟

عزيزتي، قد تستنتجين ممّا سبَق أنَّكِ ضحيَّة، ضحيَّة البيئة المحيطة بما فيها العائلة، والأقارب، والأصدقاء، والمجتمع. نعم أنتِ ضحيَّة؛ لأنَّكِ لم تُدركي سبب تصرُّفاتِك، وأنتِ مَن تتحمَّلين نتائجها؛ سواء كانت إيجابيَّة أو سلبيَّة. نعم، أنتِ غير مسؤولة عمّا حدث لك في الماضي، وأثَّر عليكِ الآن، فأنتِ غير مسؤولة عن الإساءت الَّتي تعرَّضتِ لها وأنتِ طفلة، وكوَّنَت لديكِ صورة مشوَّهة عن نفسِك وعن الآخرين. أنتِ غير مسؤولة عن النَّقص الَّذي تعرَّضتِ له في تسديد احتياجاتِك الأساسيَّة أو النَّفسيَّة في الماضي، ممّا شوَّه فكرتك عن نفسك وعن الحياة والآخرين، وجعلكِ تسعَين إلى تسديد هذه الاحتياجات بشتّى الطُّرق؛ كالإدمان على العمل للشُّعور بالأمان، والقيمة، أو العلاقات العديدة للشُّعور بالقبول والحُبِّ -حتّى ولو كانت علاقات مؤذية- وفي أغلب الأوقات دون إدراكِ منكِ للنَّقص الَّذي تسعَين لتسديده.

مَن المسؤول؟

قد تتساءلين الآن: إذًا مَن هو المسؤول عمّا أمرُّ به حاليًّا نتيجة خياراتي وقراراتي؟ هل هم والداي، هل هي العائلة، هل هو المجتمع؟ عزيزتي، جميعهم يتحمَّلون جزءًا من المسؤوليَّة لما حدث في الماضي وكوَّن لديكِ الأفكار والمفاهيم المشوَّهَة، ولكن في اللَّحظة الَّتي تبدأين فيها بإدراك تأثير هذه العوامل على خياراتك وقراراتِك، تُصبحين أنتِ المسؤولة عن قراراتك وخياراتِك الحاليَّة والمُستقبليَّة؛ فالإدراك للأسباب المؤثِّرة والمُحَرِّكة لخياراتِك وقراراتِك يحمل معه مسؤوليَّة.

لكنَّ المسؤوليَّة مُخيفة لماذا أريدها؟

نعم المسؤوليَّة مُخيفة ولكن مع المسؤوليَّة تأتي القوَّة، فعندما تتحمَّلين مسؤوليَّة حياتِك وقراراتِك ستشعرين بقدرتك على تغيير وتحسين حياتك، وعندما تتحمَّلين مسؤوليَّة قراراتِك ستتعلَّمين من نتائجها حتّى ولو كانت سلبيَّة. فمثلًا، لو أخذتِ قرارًا يتعلَّق بالعمل وكانت نتيجته سلبيَّة كالفشل، وتتسبَّب بآثار سلبيَّة على صحَّتِك، أو جسدك، أو علاقاتك، وكنتِ مُدرِكة للأسباب الَّتي تُحرِّككِ لاتِّخاذ هذا القرار وأصبحتِ مسؤولة عن حياتِك نتيجة هذا الإدراك؛ فإنَّكِ سوف تتعلَّمين من هذه النَّتائج، وستقومين بتعديل قراراتِك في المستقبل حتّى لا تتعرَّضي لنفس النَّتائج؛ هذه هي الخبرة، أيضًا ستشعرين بالقوَّة، وذلك لأنَّكِ أنتِ المسيطرة والمتحكِّمة بحياتِك.

أمّا إذا قرَّرتِ أن تبقي الضَّحيَّة؛ وذلك لخوفِك من تحمُّل المسؤوليَّة، فكلَّما تعرَّضتِ لنتائج قراراتِك السَّلبيَّة، ستظلِّين تتساءلين: لماذا يحدث لي ذلك؟ وسيزداد شعورك بالضَّعف والعجز، وستشعرين كأنَّكِ ريشة تتقاذفها التَّيّارات الهوائيَّة دون أن يكون لها القدرة على المقاومة، وسيتطوَّر شعورك بالعجز والضَّعف، لدرجة أنَّكِ لو تعرَّضتِ إلى الإساءة أو الأذى من شخص آخر، فلن تقدري على الدِّفاع عن نفسِك.

 

عزيزتي، اعلَمي أنَّ هذا الإدراك والتَّغيير لا يحدث بسهولة أو بوقت قصير، فما زُرِع بداخلك على مدار سنوات عديدة لا يمكن تغييره بسهولة، فتأثير الماضي لا يمكن بسهولة إلغاؤه؛ فهو يحتاج إلى وقت وممارَسة، ولن يتمَّ إلغاؤه إنَّما ستُصبح لديكِ القدرة على فهمه والتَّعامل مع آثاره.

في المقال القادم سنتحدَّث كيف يتمُّ ذلك.

 

مواضيع ذات صلة:

كيف تتكوَّن شخصيَّتي؟

كيف يحدث التَّغيير؟

 

إضافة تعليق
بريد ألكتروني