موضوعات أخرى

كيف تتكوَّن شخصيَّتي؟

معرفة العقل
كيف تتكوَّن شخصيَّتي؟
بقلم : الأخصَّائيَّة النَّفسيَّة دينا برقان

عزيزتي، تتشكَّل شخصيَّة الإنسان نتيجة لتداخل ثلاثة عوامل رئيسيَّة، وهي الجينات، والبيئة المحيطة، والاختيارات (Choices)، وفعليًّا، فإنَّ الجينات والبيئة المحيطة عاملان يقودان الشَّخص إلى اتِّخاذ اختيارات معيَّنة، لذلك فهما اللَّذان يؤثِّران في تشكيل شخصيَّة الإنسان أوَّلًا، ثمَّ تأتي الاختيارات ونتائجها لتؤثِّر في تشكيل الشَّخصيَّة، فتُصبح إحدى هذه العوامل الرئيسيَّة.  

وفي البداية، دعينا نوضِّح ما المقصود بكلِّ عامل من هذه العوامل لنفهم تأثيرها في تكوين الشَّخصيَّة:

  1. العامل الوراثيُّ (الجينات):

والمقصود به الصِّفات الوراثيَّة كالصِّفات الجسديَّة: كلون الشَّعر، والعيون، ووراثة الاستعداد للإصابة بأمراض معيَّنة، وأيضًا وراثة بعض الصِّفات النَّفسيَّة والاهتمامات، فقد نسمع البعض يقولون إنَّهم ورثوا العصبيَّة من الأهل؛ لذلك فهذه طبيعتهم ولا يمكن تغييرها. وهناك أيضًا بعض الدِّراسات الَّتي تُشير إلى وجود استعداد وراثيٍّ لتطوُّر بعض الأمراض النَّفسيَّة؛ كالاكتئاب وإدمان الكحول.

  1. البيئة المحيطة:

 ولا يُقصَد بها المنطقة الجغرافيَّة أو الطَّبيعة، ولكن العلاقات المحيطة وأهمُّها العلاقة مع الأب والأمّ، ثم أفراد العائلة المُقرَّبَة، ثم المجتمَع المحيط؛ فصورة وأفكار الإنسان عن نفسه تتشكَّل في بداية حياته من أسلوب تعامُل الأب والأم معه، وأيضًا نظرة الإنسان وأفكاره عن الحياة. والعلاقات تتشكَّل من طبيعة العلاقات في العائلة، وتعامل أفراد العائلة مع بعضهم البعض، وطبيعة العلاقات مع الأشخاص المُقَرَّبين من العائلة، وخصوصًا في الطُّفولة، ثمَّ تبدأ بالتَّوسُّع، وتتأثَّر بطبيعة المجتمع المحيط من قِيم وعادات وتقاليد وما هو مقبول وغير مقبول، بالإضافة إلى تعريف المُجتمَع لما هو خاطئ وما هو صحيح، وتشمل البيئة المُحيطة الأحداث الَّتي يتعرَّض لها الإنسان؛ سواء كانت أحداثًا خاصَّة مباشرة، أو أحداثًا عامَّة في العائلة أو المُجتمع.

  1. الاختيارات:

الإنسان يقوم بشكل يوميٍّ بالاختيار، وتتراوح هذه الاختيارات بين اختيارات بسيطة لا يتعدَّى تأثيرها عدَّة دقائق أو ساعات، كاختيار الطَّعام أو اللِّباس أو الطَّريق إلى العمل، وبين اختيارات ذات تأثير كبير على حياة الإنسان بشكل عامٍّ، كالاختيارت الَّتي يقوم بها الإنسان لاتِّخاذ قرارت تتعلَّق بالعلاقات؛ كالعلاقات مع العائلة، والارتباط، والصَّداقات، أو قرارات مُرتَبِطة بالعمل، وهناك القرارات الأخلاقيَّة؛ كاحترام الآخرين واحترام النَّفس، وأن يكون الشَّخص صادقًا أو مُخادِعًا، سارقًا أو أمينًا.

فالإنسان مُحاطٌ دائمًا بالخيارات الَّتي تدفعه إلى اتِّخاذ قرارات معيَّنة وتحمُّل نتائجها، وقد يقوم الإنسان باتِّخاذ القرارات بطريقة تلقائيَّة دون تفكير عميق، ويتمُّ التَّصرَّف بناءً على هذه الاختيارات أو القرارات، ويُفَسَّر ذلك ببساطة بأنَّها طبيعة شخصيَّته. علينا الانتباه هنا بأنَّ الاختيارات تأتي نتيجة تفاعل العاملَين السّابقَين، الجينات والبيئة المحيطة، ففي البداية (أي في مراحل الطُّفولة) تكون نتيجة ثمَّ تُصبح عاملًا عندما تبدأ نتائجها بالتَّأثير في تشكُّل الشَّخصيَّة عند نموِّ الإنسان، والانتقال من مرحلة الطُّفولة إلى المراحل اللّاحقة. وفي الحقيقة، إنَّ تأثير الاختيارات أو القرارت يُصبح أكبر مع الوقت ليطغى على تأثير العاملَين الآخرَين، لدرجة أنَّ العديد من الأشخاص يقومون باتِّخاذ قرارت واختيارت تدفعهم إلى تصرُّفات معيَّنة دون أن يكون لديهم تفسير لسبب هذه التَّصرُّفات، حتّى وإن كانت عواقب هذه التَّصرُّفات سلبيَّة.

عزيزتي، في كثير من الأوقات، يتمُّ تجاهُل تأثير وتداخل هذه العوامل على الشَّخص، فكمثال بسيط: إذا أصيبَ شخص ما بمرض السُّكَّريِّ، يتمُّ تفسيره بأنَّه أصيب به لأنَّه مرَض وراثيّ، ولديه الجينات المُساعِدة لذلك، وأنَّه كان سيُصاب به وسيُعاني من مضاعفاتِه عاجِلًا أم آجِلًا، وبذلك يتمُّ تجاهل العوامل الأخرى؛ كالبيئة المُحيطة، والاختيارات الخاطئة بأن يقوم الشَّخص باتِّباع نمط حياة غير صِحِّيٍّ، كتناول الطَّعام المُحتوي على كمِّيّات كبيرة من السُّكَّريّات، هذا المثال يوضِّح تأثير هذه العوامل وتفاعلها بوضوح من ناحية جسديَّة.

أمّا من ناحية تشكيل الشَّخصيَّة، فإليك هذا المثال: قد يُلاحظ الأهل أنَّه لدى أحد أطفالهم معدَّل ذكاء عالٍ (موروثات جينيَّة)، فيقومون بدفعه إلى التَّفوُّق الدِّراسيِّ، ووضع مقاييس وتوقُّعات عالية لإنجازاته وتصرُّفاتِه -قد تكون أقرب إلى الكمال- لذلك فإنَّ أيَّ تصرُّف أو إنجاز لا يبلغ مستوى توقُّعاتهم يكون غير مقبول، وقد يعاقبونه (البيئة المحيطة) فتتشكَّل لديه صورة عن نفسه بأنَّه يجب أن يكون كاملًا ليكون مقبولًا، وأنَّ أيَّ تصرُّف منه لا يبلغ مستوى الكمال يجعله شخصًا سيّئًا وغير مقبول، كما أنَّه يتوقَّع الكمال من الأشخاص الآخرين في الحياة، وبالتّالي، فإنَّ كلَّ قراراتِه وخياراتِه تكون مُوَجَّهة للوصول إلى الكمال ليشعر بأنَّه مقبول، وعندما لا يصل إلى الكمال الَّذي يسعى إليه، فإنه يشعر بأنَّه غير مقبول من نفسه أوَّلًا ثمَّ من الآخرين. وما إن يبدأ دراسته الجامعية إلّا ويكون قد ابتعد عن والدَيه، لكنَّه يبقى مدفوعًا بسَعيه إلى التَّفوُّق، ولا يقبل بأقلِّ من الكمال في درجاته، وعند حصوله على درجة أقلّ من الكمال؛ فإنَّه قد يشعر بالرَّفض من نفسه، فيسعى إلى القبول والكمال بمختلف الطُّرُق، ويتَّخذ خياراته فقط ليشعر بهذا القبول. وفي بعض الأوقات، قد يختار البقاء في علاقات مؤذية فقط لينالَ شعورَ القبول بصرف النَّظر عن الأذى الَّذي تعرَّض له، أو ليعاقب نفسَه على عدم كماله، وهكذا يكون الشَّخص مدفوعًا بعاملَي القبول أو العقاب -دون إدراك منه- وذلك لأنَّ هذه الأفكار تشكَّلَت في الماضي في بداية تطوُّر شخصيَّته، وزُرِعَت بعُمق في شخصيَّته وتأصَّلَت في اللّاوعي، لذلك فإنَّه حتَّى لو شعر بعدم الرّاحة نتيجة تصرُّفاته أو كان يُعاني من النَّتائج السَّلبيَّة لتصرُّفاته وخياراته ـــ تجده يستمرُّ بفعلها دون إدراك منه للسَّبَب المُحَرِّك لذلك.

عزيزتي، لربَّما قد بدأتِ الآن بإدراك وفهم تصرُّفاتِك، والأسباب الَّتي تدفعُكِ إلى اتِّخاذ قرارات وخيارات معيَّنة، وقد تفهمين سبب ارتباطِك وانجذابِك إلى أشخاص معيَّنين، سواء في الصَّداقات أو في العلاقات الرُّومانسيَّة؛ فالعوامل الَّتي ذكرناها -وخصوصًا البيئة المحيطة وما تعرَّضتِ له في الماضي والصُّورة الَّتي تشكَّلَت عن نفسِك وعن الآخرين والحياة- هي الَّتي تدفعُكِ إلى اتِّخاذ خياراتِك، وهي الَّتي تُحَرِّك تصرُّفاتِك.

ولكن هل هذا هو الحَلُّ؟ هل يكمن الحلُّ في أن تقبلي العيشَ كضحيَّةٍ للماضي؟ وهل عليكِ أن تقبَلي هذه الصُّورة عن نفسِك وعن الحياة حتّى لو كانَت مُشوَّهَة وتتسبَّب في أذيَّتِك؟ وهل عليكِ أن تتحَمَّلي مسؤوليَّة قراراتِك وتصرُّفاتِك في الوقت الحالي؟

 

لتعرفي الإجابة عن هذه التَّساؤلات، تابعي المقال القادِم.

 

مواضيع ذات صلة:

ضحيَّة ولكن

كيف يحدث التَّغيير؟

إضافة تعليق
بريد ألكتروني