موضوعات أخرى

في انتظاره لأبدأ حياتي... 4

معرفة العقل
في انتظاره لأبدأ حياتي... 4
بقلم : الأخصَّائيَّة النَّفسيَّة دينا برقان

سئمتُ الانتظار

في هذا المقال سنُكمل حديثنا عن باقي الاحتياجات في هرم ماسلو، مسؤوليَّتِك أنتِ في إشباعها.

 

الاحتياجات النَّفسيَّة

  1. الحاجة إلى الانتماء والحُبّ: وهي الحاجة لأن نشعر بأنَّ هنالك مَن يُحبُّنا حُبًّا غير مشروط، ويتقبَّلنا بالرَّغم من أخطائنا، وسلبيّاتنا، وحاجتنا لأن نُحَبَّ ونتقبَّل غيرنا بنفس الطَّريقة. أيضًا حاجتنا للوجود ضمن مجموعة، كالأصدقاء أو نادٍ أو مؤسَّسة اجتماعيَّة؛ فالإنسان كائن اجتماعيٌّ يسعى إلى الانتماء.
  2. الحاجة إلى التَّقدير والاحترام: فالإنسان يسعى إلى أن يشعر بالاحترام تجاه نفسه وكرامته وإنجازاته، وأيضًا يسعى إلى التَّقدير عن طريق الوصول إلى منصب وسُمعة جيِّدة.

 

الإنسان كائن اجتماعيٌّ يسعى إلى الانتماء إلى مجموعات يجد فيها القبول، والحُبَّ، والاحترام، ومن المُؤَكَّد أنَّ لديك هذا الاحتياج، وهو أن تجدي شخصًا يقبلكِ ويحبُّكِ كما أنتِ، لكن عليكِ أن تُحِبِّي نفسكِ أوَّلًا. كيف؟ جِدي الصِّفات الإيجابيَّة فيكِ ونقاط قوَّتِك، وركِّزي عليه، فمثلًا قد تكون نقاط قوَّتك مثابرتك للوصل إلى هدفك، أو تأقلمك مع الظُّروف المفاجئة، أو قدرتك على اتِّخاذ القرارت والالتزام بها بالرَّغم من تعرُّضِك للانتقاد. ابحثي عن إيجابيَّاتِك ونقاط قوَّتك وستجدينها، أحِبِّي شكل وجهك وجسدك، واقبليهما، ولا يعني ذلك توقُّفكِ عن السَّعي إلى تحسين مظهرك، ولكن اعرفي مواطن الجمال في شكلِك وأظهريها، وحسِّني الأمور الَّتي ترينها غير مناسبة. قد تتساءلين: ما علاقة ذلك بحاجتي إلى الحُب والانتماء؟ عندما تُحبِّين نفسك، لن تقبلي بأن تغيِّري في نفسِك في سبيل أن تحصلي على حُبِّ شخص؛ لأنَّكِ تحبِّين نفسك كما هي. فعندها تعرفين أنَّكِ تستحقِّين أن تجدي مَن يُحِبّك كما أنتِ دون أن يُغيِّركِ، لن تركضي لإشباع حاجتك للحُبّ من أيِّ شخص حتى لو كان لا يقبلك كما أنتِ. وعندما تعرفين إيجابيّاتِك ونقاط قوَّتِك، فأنتِ لن تقبلي من أيِّ شخص أن يقلِّل من قدرتك أو قوَّتِك، ولن تتشبَّثي بأوَّل شخص يُظهر إعجابه لكِ؛ لظنِّك بأنَّه هو الوحيد الَّذي قد يُعجَب بكِ ولن تجدي غيره.

 

بعد أن تضعي هذا الأساس؛ وهو أن تُحبِّي نفسكِ، ابدئي ببناء علاقات مختلفة، كعلاقات رسميَّة في العمل حتى تشعري بالانتماء إلى المكان الَّذي تعملين فيه. أيضًا كوِّني صداقات خارج العمل مع مجموعة من الأصدقاء تشعرين معهم بالقبول والانتماء والحُبِّ، تطوَّعي لمساعدة آخرين، انتمي إلى جمعيّات أو منظَّمات خارج العمل أيضًا لتجدي أشخاصًا يشاركونك اهتماماتك وهواياتك، فجميع هذه الأفعال تساعدك على إشباع حاجاتك النَّفسيَّة. قد تقولين، ولكنَّ الحاجة إلى الحُبِّ الرّومانسيِّ من قِبل شابٍّ تبقى موجودة! نعم تبقى موجودة، لكنَّكِ إذا أحببتِ نفسكِ وانتميتِ إلى مجموعات تُشاركك اهتماماتِك، لن تقبَلي أن ترتبطي بشخص في سبيل إشباع هذه الحاجة، بالرَّغم من أنَّه لا يقبلكِ كما أنتِ وكان يطلب منكِ أن تتغيَّري لكي يُحبَّكِ. فأنتِ تعلمين بأنَّكِ تستحقِّين أن تجدي شخصًا يحبُّكِ كما أنتِ؛ لأنَّكِ أحببتِ نفسكِ كما أنتِ، ولن تقبلي أن يُسيء إليكِ شخص ولا يحترمك في سبيل أن تُحافظي على علاقتِك به. فأنتِ من خلال علاقاتك مع الأصدقاء، والعلاقات في العمل والمجموعات الَّتي انتميتِ لها اختبرتِ الاحترامَ والتَّقدير، ووضعْتِ الحدود لمَن حولِك ليحترموك؛ فقد اكتسبْتِ خبرة ومعرفة بأنَّكِ تستحقّين علاقات تحافظين فيها على احترامِك ومكانتِك.

 

الحاجة إلى تحقيق الذّات

  1. الحاجة إلى تحقيق الإنجازات وتطوير النَّفس؛ فالإنسان لديه الحاجة إلى استخدام جميع قدراته ليُحقِّق الإنجازات الَّتي تُشعِره بذاته.

عزيزتي، من المهمّ أن توظِّفي نقاط قوَّتِك وصفاتِك الإيجابيَّة؛ لتطوير نفسِك وتحقيق الإنجازات حتى تُشبعي الحاجة إلى تحقيق ذاتِك. ابحثي عن شغفك في الحياة واسعي إلى تحقيقه، افتَخري أنتِ أوَّلًا بنفسِك وإنجازاتك، ولا تنتظري من الآخرين أن يقوموا بمدحك لتفتخري بنفسِك.

قد تقول بعض الفتيات إنَّ شغفي في الحياة هو أن أصبح أمًّا، وسأحقِّق ذاتي من خلال تربية أطفالي. لا ضيرَ في ذلك، لكنَّكِ إن كان قرارُ الزَّواج فقط لتُصبحي أُمًّا؛ فإنَّكِ بهذا تُجازفين باتِّخاذ قرار مصيريٍّ بناءً على احتمالاتٍ مُستقبليَّة. الجميع يفترض أنَّ لديه القدرة على الإنجاب، لكن ماذا لو كان أحد الطَّرفين غير قادر على الإنجاب، وبالرَّغم من كلِّ المحاولات الطِّبِّيَّة؟ هل يمكن أن يستمرَّ هذا الزَّواج إذا كان الأساس المبنيُّ عليه هو الإنجاب فقط، وليس مشاركة الحياة مع الشَّخص الآخر بالرَّغم من كلِّ الظُّروف؟ أو قد تكتشفين بعد أن أنجبتِ وحقَّقتِ السَّبب الأساسيَّ لزواجِك؛ أنَّكِ لا تتَّفقين مع زوجك فتُقرِّرين الانفصال؛ فهل من المُنصِف أن يعيش طفلكِ في عائلة مُنفصِلة؟ قد لا يحدث أيٌّ من هذا، وتُنجبين الأطفال وتُربِّينهم في جوٍّ عائليٍّ صحِّيٍّ، وتُكرِّسين حياتكِ لهم، وتشعرين بأنَّكِ حقَّقتِ ذاتكِ. ولكن سيأتي وقت تكتشفين فيه فجأة بأنَّهم لم يعودوا أطفالًا فيما بعد، وأنَّ حاجتهم إليكِ اختلفَت، فلن يعتمدوا عليكِ بالكامل إنَّما سيبدأون بالانفصال عنكِ والاعتماد على أنفسهم وبناء حياة خاصَّة بهم؛ سواء بالزَّواج أو العمل أو الهجرة. عندها ستشعرين بالفراغ، وقد لا تعودين تعرفين مَن أنتِ وماذا تفعلين في حياتِك فيما بعد. بالطَّبع، الاحتياج لوجود الأمِّ سيبقى موجودًا لكنَّ درجة الاحتياج وطبيعته ستختلفان مع التَّقدُّم بالعمر.

لذلك، اسعي إلى تحقيق ذاتِك من خلال أمور أخرى وإنجازات مختلفة -بالإضافة إلى الأمومة- حتّى لا تشعري بالفراغ عندما ينضج أبناؤكِ ويبدأون بالانفصال عنكِ. وبالتَّالي تُعطين أبناءكِ ونفسكِ المساحة الكافية للاستقلال والانفصال بطريقة صحِّيَّة. وبالانفصال لا أعني انقطاع العلاقة، وإنَّما تحوُّلها من الاعتماديَّة والتَّعلُّق الكامل إلى استقلاليَّة وتعلُّق صحِّيٍّ من خلاله يتمكَّن أبناؤك من الانطلاق إلى الحياة بحُرِّيَّة وقوَّة. كما تتمكَّنين أنتِ أيضًا من الانطلاق والاستمرار بحياتِك، والشُّعور بأنَّ حياتكِ ممتلئة ومُشبَعة بأمور أخرى بالإضافة إلى كونكِ أمًّا.

عزيزتي، من خلال سعيِك إلى تسديد الاحتياجات الأساسيَّة لديكِ؛ فإنَّ نظرتكِ لنفسِك، وللحياة، وللزَّواج تصبح أكثر واقعيَّة. وبالرَّغم من أنَّكِ لن تستطيعي أن تُشبعي الاحتياجات بدرجة كاملة، لكنَّ سعيكِ لذلك سيجعلك تشعرين بدرجة مُقنعة من الإشباع ويقلِّل من شعورك بالفراغ داخلكِ. وهكذا ستُصبح نظرتُكِ للزَّواج على أنَّه بناء حياة يتشارك فيها الطَّرفان الدَّعمَ وتسديدَ احتياج الآخر عندما لا يستطيع الواحدُ فعل ذلك وحده؛ فلا يضع أيٌّ منهما كلَّ العِبء على الآخر، وإنَّما يتشاركان في تحمُّل العِبء معًا. 

 

 

مواضيع ذات صلة:

في انتظاره لأبدأ حياتي... 1

في انتظاره لأبدأ حياتي... 2

في انتظاره لأبدأ حياتي...3

إضافة تعليق
بريد ألكتروني