موضوعات أخرى

في انتظاره لأبدأ حياتي... 2

معرفة العقل
في انتظاره لأبدأ حياتي... 2
بقلم : الأخصَّائيَّة النَّفسيَّة دينا برقان

في المقال السَّابق، بدأنا بالحديث عن العبارات الَّتي تولِّد لديكِ أفكارًا مشوَّهة عن نفسِك وعن الزَّواج، بحيث يُصبح الزَّواج هو الهدف الأساسيّ ليُشبع احتياجاتِك. كما تحدَّثنا عن الاحتياجات الأساسيَّة الَّتي يسعى الإنسان إلى تسديدها وفق ما يُسمَّى بهرم ماسلو، وتحدَّثنا عن أوَّل الاحتياجات الَّتي يسعى الإنسان إلى تسديدها؛ وهي الاحتياجات المادِّيَّة، وفي هذا المقال سنُكمِل  الحديث عن باقي الاحتياجات. 

الاحتياجات النَّفسيَّة   

  1. الحاجة إلى الانتماء والحُبّ: وهي الحاجة لأن نشعر بأنَّ هنالك مَن يُحِبّنا حبًّا غير مشروط، ويتقبَّلنا بالرَّغم من أخطائنا وسلبيَّاتنا، وحاجتنا لأن نُحِبّ ونتقبَّل غيرنا بنفس الطَّريقة. وهناك أيضًا حاجتنا إلى الوجود ضمن مجموعة، كالأصدقاء، أو نادٍ، أو مؤسَّسة اجتماعيَّة؛ فالإنسان كائن اجتماعيٌّ يسعى إلى الانتماء.
  2. الحاجة إلى التَّقدير والاحترام: فالإنسان يسعى إلى أن يشعر بالاحترام لنفسه وكرامته وإنجازاته، وأيضًا يسعى إلى التَّقدير عن طريق الوصول إلى منصب أو سمعة حسنة.

عندما تتحقَّق الاحتياجات المادِّيَّة من قِبل الزوج أو من قِبل نفسِك بدرجة تشعرين فيها بالاكتفاء، ستبدأين بالسَّعي نحو تسديد الحاجات النَّفسيَّة. الحاجة إلى الحُبّ طبيعيَّة وموجودة لدى الجميع، لذلك فمن الطَّبيعي أن تشعري بها وتسعي إلى إشباعها، لكن قد يكون الشَّخص الَّذي قرَّرتِ الارتباط به غيرَ متوفِّر عاطفيًّا؛ أي أنَّه يرى أنَّ توفير الحاجات المادِّيَّة هو الأهمّ وغير ذلك سخافة، أو قد يطلب منكِ الشَّخص أن تغيِّري من نفسك أو شخصيَّتك أو أسلوب حياتك بحجَّة أنَّه يُحبُّك، فتقومين بذلك بل وقد تطمسين شخصيَّتكِ في سبيل الحصول على حبِّه. ولكن، هل فعليًّا ستحصلين على الحُبِّ الَّذي تسعين إليه؟ وهل ستحصلين على الاحترام والتَّقدير لذاتِك الَّذي أيضًا تسعين إلى تحقيقها من خلال الزَّواج؟ قد لا يُسيء لكِ زوجكِ مباشرة لكنَّه قد لا يتقبَّلكِ كما أنتِ، فأين التَّقدير؟ وقد يُسيء إليك إمَّا بالإهانات، أو بأن يُقلِّل من قدراتِك ويسخر منها، فأين التَّقدير وأين الحُبّ؟ وقد تكونين قد ارتبطتِ بشخص يُحِبُّكِ ويحترمكِ، ولكن قد يمرُّ بظروف تستنزفه نفسيًّا؛ كمرض أو وفاة شخص عزيز عليه، فيُصبح عليه من الصَّعب أن يُعبِّر عن حُبِّه لكِ بنفس الطَّريقة، أو قد يتغيَّر لفترة من الوقت ويبتعد عنكِ، فهل يكون بإمكانك دعمه والوقوف بجانبه إذا كنتِ تطلبين تسديد كلِّ احتياجاتِك العاطفيَّة منه؟

الحاجة إلى تحقيق الذَّات

  1. الحاجة إلى تحقيق الإنجازات وتطوير النَّفس؛ فالإنسان يحتاج إلى استخدام جميع قدراته ليُحقِّق الإنجازات الَّتي تُشعِره بذاته.

لربَّما لديكِ القناعة أنَّ الزَّواج هو الإنجاز في الحياة، ومن خلاله سوف تُحقِّقين ذاتك، فأنتِ سوف تكونين زوجة فلان؛ وخاصة إذا كان ذا مركز أو لقب، ولكن هل حقَّقتِ ذاتكِ بمجرَّد الزَّواج؟ تحقيق الذَّات يعني أن تكوني إنسانًا ذا كيان واضح، فلا تستمدِّين وجودكِ من كيان شخص آخر. ولكن، ماذا لو فقد زوجكِ مركزه أو لقبه؟ ماذا لو أنَّ زوجكِ؛ الطَّبيب أو المهندس قرَّر أن يترك مهنتَه ويعمل بمهنة أخرى لا تحظى باحترام وتقدير المجتمع كهذه المهن، وماذا لو فقد مركزه؟ إذًا فأنتِ قد فقَدتِ الإنجاز في زواجِك نتيجة فقدان ذلك اللَّقب أو ذلك المركز!

وقد لا يحدث كلُّ ذلك، ولكن قد يرفض الزَّوج أن تعمل زوجته خارج المنزل، وقد لا يتحمَّل أن يراها ناجحة ذات كيان مُستقلٍّ، فيطلب منها البقاء في المنزل والاعتناء بالعائلة. وقد تضطرُّ الزَّوجة إلى الرُّضوخ لهذه المطالب بالرَّغم من أنَّها ليست من النِّساء اللَّواتي يختَرن الاعتناء بالمنزل والعائلة. لسنا ضدَّ ذلك؛ فهذا قد يكون اختيارَها وشغفها، ولكنَّه قد يكون فقط من أجل الحفاظ على الزَّواج الَّذي اختارته في البداية كإنجاز لها، وكهدف لحياتها بالرَّغم من عدم شعورها بالاكتفاء من هذا الإنجاز.

عزيزتي، في خلال رحلة سعيك لتسديد هذه الاحتياجات، واختبارك للعديد من خيبات الأمل نتيجة عدم الاكتفاء من هذه الاحتياجات، فإنَّكِ ستشعُرين بالفراغ، وهذا الفراغ هو ما تسمِّيه العديد من الفتيات والسَّيِّدات بالفراغ العاطفيِّ، وفي كثير من الحالات فإنَّ الفراغ العاطفيَّ يكون الدَّافع الأساسيَّ للزَّواج. لكن في الحقيقة، فإنَّ الفراغ العاطفيَّ ما هو إلا الفراغ النَّاتج عن عدم تحقيق الاحتياجات الأساسيَّة جميعها، وليست فقط العاطفيَّة منها؛ فالحاجات الفسيولوجيَّة، والحاجة إلى الأمان، والاحترام، والحُبّ وتحقيق الذَّات، جميعها تشكِّل أجزاء هذا الفراغ العاطفيِّ.

وتذكَّري عزيزتي بأنَّنا في هذه المقالات لسنا ضدَّ الزَّواج ولا نُشجِّع الفتيات على رفض فكرة الزَّواج، لكنَّنا نرفض فكرة أن يكون الهدف من الزَّواج هو تسديد احتياجاتِك فقط؛ فالهدف من الزَّواج هو بناء حياة مشترَكة بين شخصَين كلاهما قادر على دعم الآخر وإشباع حاجاته وحاجات الآخر.

في المقال القادم، سنُناقش كيف يمكنكِ تسديد هذه الحاجات بنفسِك؟

 

مواضيع ذات صلة:

في انتظاره لأبدأ حياتي... 1

في انتظاره لأبدأ حياتي...3

في انتظاره لأبدأ حياتي... 4

إضافة تعليق
بريد ألكتروني