موضوعات أخرى

أنا حزينة... إذًا أنا مُكتئبة

معرفة العقل
أنا حزينة... إذًا أنا مُكتئبة
بقلم : الأخصَّائيَّة النَّفسيَّة دينا برقان

أشعر بالحزن اليوم؛ إذًا أنا أعاني من الاكتئاب، تحسَّن شعوري في اليوم التَّالي؛ إذًا لم أعُد أعاني من الاكتئاب!

هل الاكتئاب هو مجرَّد الشُّعور بالحزن لفترة قصيرة؟ وهل يختفي الاكتِئاب بمُجَرَّد تحسُّن شعوري واختفاء الحزن؟  

الشُّعور بالحزن يحدث نتيجة سبب معيَّن، حدَث مُعَيَّن، أو ذكرى معيَّنة، ولفترة قصيرة، ولا يُرافقه أيَّة أعراض أخرى كفقدان الأمل أو فقدان الهدَف في الحياة، والحزن هو عارِض من أعراض الاكتئاب لكنَّ الشُّعور بالحُزن لا يعني الاكتئاب. إذن فالحزن هو شعور نتيجة سبب واضح أو حتَّى مجموعة واضحة من الأسباب.

أما الاكتئاب، فهو مجموعة من الأعراض تظهر بشكل متواصل لمدَّة أسبوعين على الأقلِّ، وأهمُّ هذه الأعراض هو الشُّعور المُستَمِرّ بالكآبة، بحيث يكون المزاج العامُّ كئيبًا إذ يعني أنَّ الشَّخص يشعرُ في نفسه وما حوله بالتَّعاسة، ويكون غير قادر على الشُّعور بالمُتعة أو السَّعادة. ويتمثَّل بوصف الشَّخص لإحساسه المُتواصِل بالحُزن، أو الفراغ، أو فقدان الأمل، أو بوصف الآخرين له: يبدو عليه الحزن، أو يبكي سريعًا. والعارض الثَّاني المُهِمُّ هو فقدان الاهتمام أو عدم الاستمتاع بالأمور الَّتي كانت تُعتبَر مُهِمَّة أو مُمتعة للشَّخص، وذلك بشكل يوميٍّ. فقد يكون الشَّخص يُمارس الرِّياضة بشكل يوميٍّ، فيتوقَّف عن مُمارستها أو حتَّى يتوقَّف عن الذَّهاب إلى العمل، ويُصبح مُجرَّد النُّهوض من السَّرير هو عمل شاقٌّ يحتاج إلى مجهود كبير.

بالإضافة إلى هذه الأعراض الأساسيَّة، هناك أعراض أخرى:

  • التَّغيُّر الواضح في الوزن إمَّا زيادة أو نقصان في فترة قصيرة، وتغيُّر في الشَّهيَّة للطَّعام أيضًا بالزِّيادة أو النُّقصان.
  • تغيُّرات في النَّوم، إما عدم القدرة على الخلود إلى النَّوم أو النَّوم لفترة قصيرة جدًّا، أو النَّوم لفترات طويلة.
  • تغيُّرات حركيَّة واضحة كالزِّيادة في الحركة أو عدم القدرة على الجلوس بهدوء؛ المشي ذهابًا وإيابًا وتحريك اليدَين، أو قلَّة وبُطء الحركة وردود الأفعال كالبُطء في الكلام أو التَّفكير، ويجب أن تكون هذه التَّغييرات واضحة للآخرين.
  • الشُّعور بالإرهاق ونقص الطَّاقة.
  • الشُّعور بعدم القيمة والإحساس غير المُبَرَّر بالذَّنب.
  • عدم القدرة على التَّركيز أو التَّفكير.
  • أفكار مُتكَرِّرة بالموت أو الانتحار.

أغلب هذه الأعراض يجب أن تكون ظاهرة بشكل يوميٍّ تقريبًا لمدَّة أسبوعَين على الأقلِّ، وهي عبارة عن تغيير واضح في طبيعة هذا الشَّخص.

إذًا فالاكتئاب هو مجموعة من الأعراض وليس مجرَّد شعور بالحُزن، وأغلب هذه الأعراض هي تغيُّرات واضحة في طبيعة الشَّخص، فمثلًا ازدياد الشَّهيَّة أو نقص الشهيَّة للطَّعام، ويُقارَن بطبيعة الشَّخص قبل الشُّعور بالأعراض أو قبل اتِّباع حِمية غذائيَّة مثلًا، أو قد يكون الشَّخص هادئًا بطبيعته لكنَّه قد تغيَّر ليُصبح شخصًا عصبيًّا ومُتوتِّرًا. أمَّا أهمُّ هذه الأعراض، فهي فقدان الشُّعور بالقيمة أو إحساس الشَّخص بعدم وجود هدف لحياته، وفقدان الشَّخص لقدرته على الاستمتاع بأيِّ شيء كان خصوصًا ما كان يُمَتِّعه ويُثير اهتمامه في السَّابق.

ولكن كيف يختلف الاكتئاب عن الحزن؟

عندما يتعرَّض الإنسان إلى تجارب صعبة في الحياة خصوصًا الَّتي تتضمَّن خسارة أو فقدانًا، كفقدان شخص عزيز، أو خسارة عمل، أو انتهاء علاقة، فإنَّ ردَّ الفعل الطبيعيِّ لهذه التَّجارب هو الشُّعور بالحُزن خصوصًا ما يوصَف بحُزن الفقدان (grief). قد يتشابه حزن الفقد والاكتئاب في بعض الجوانب؛ كالشُّعور المؤلم بالتَّعاسَة أو الحزن، والرَّغبة في التَّوقُّف عن ممارسة الأنشطة اليوميَّة، لكن هناك عدَّة اختلافات:

  • عندما يمرُّ الإنسان بتجربة خسارة؛ فإنَّ المشاعر المؤلمة عادة ما تُختَبَر على شكل موجات من الحُزن مُختَلِطة بذكريات إيجابيَّة أو سعيدة، فمثلًا عند فقد شخص عزيز، بالرَّغم من الشُّعور بالحزن قد يتذكَّر الإنسان موقفًا سعيدًا أو مُضحِكًا فيبتسم، أو يشعر ببعض المشاعر المُريحة لكن في حالة الاكتئاب يكون الإنسان غير قادر على الشُّعور بأيِّ نوع من المشاعر المُريحة كالسَّعادة وغير قادر على الابتسام، ويكون الإحساس بالحُزن والمشاعر المؤلمة دائمًا وليس على شكل موجات.
  • عندما يشعر الشَّخص بالحُزن نتيجة سبب واضح (حزن الفقدان، أو خسارة ما) فعادةً لا يصاحب هذا الحزن شعور بعدم القيمة أو كراهية الذَّات، أمَّا فيما يتعلَّق بالاكتئاب فإنَّه عادة ما يُصاحبه تدنِّي الشُّعور بقيمة النَّفس وكره الذَّات.
  • قد يُصاحب الحزن -وخصوصًا حزن الفقدان- شعور بالذَّنب، فقد يشعر الشَّخص بالذَّنب لعدم قيامه بأمور أو تصرُّفات معيَّنة، وسبب الشُّعور بالذَّنب -إن وُجِد- يكون واضحًا. أمَّا في حالة الاكتئاب، فالشُّعور بالذَّنب غير مُبَرَّر إذ لا يوجد سبب واضح لهذا الشُّعور.

لكن بعض الأشخاص الَّذين يمرُّون بتجارب خسارة أو فقدان، قد يصاحبُ الحزنَ اكتئاب أو قد يتطوَّر إلى اكتئاب، وذلك عندما لا يتوفَّر الدَّعم من المُحيط الخارجيِّ للشَّخص أو أيضًا لقدرة الشَّخص الضَّعيفة على التَّكيُّف مع التَّغييرات الحياتيَّة وخصوصًا المؤلِمة أو السَّلبيَّة ـــ عندها يكون الحزن حادًّا جدًّا ويبقى لوقت أطول من لو لم يُرافِقه اكتئاب.  

لا يوجد سبب واحد لحدوث الاكتئاب، فقد يكون أسلوب تعاطي الشَّخص مع ضغوطات الحياة بشكل سلبيٍّ مُسَبِّبًا لحدوث الاكتئاب، أو تعرُّض الشَّخص منذ الطُّفولة لتجارب سلبيَّة مُتَعَدِّدة بحيث يكون مؤشِّرًا لحدوث الاكتئاب في مراحل لاحقة من حياة الشخص. لذلك عندما يتعرَّض الشَّخص إلى ظروف وتجارب سلبيَّة لاحقًا في حياته، تتكوَّن لديه مشاعر سلبيَّة من الممكن أن تُسَبِّب تطوُّر الأعراض السَّابقة وتُدخِل الشَّخص في حالة الاكتئاب.

وهناك أيضًا عامل وراثيٌّ، فالأشخاص الَّذين لديهم أقارب من الدَّرجة الأولى يُعانون من الاكتئاب، لديهم استعداد أعلى من غيرهم للتعرُّض للاكتئاب. أيضًا قد يكون الاكتئاب مُصاحِبًا لأمراض أخرى أو نتيجةَ آثار جانبيَّة لبعض الأدوية.

إذا لاحظتِ هذه الأعراض على نفسِك أو على شخص آخر، ماذا عليكِ أن تفعلي؟

إذا لاحظتِ هذه الأعراض على نفسِك، اطلبي المساعدة من شخص مُختَصٍّ؛ فلا يكفي التَّعبير عن مشاعرك لشخص قريب منك، الأفضل أن تتوجَّهي إلى شخص مُختَصٍّ يُساعدك على فهم مشاعرك وسببها وكيفيَّة التَّعامل معها. أمَّا إذا لاحظتها على شخص آخر، أخبريه عنها وعن قلقِك عليه، واقتَرحي عليه أن يطلب المساعدة من شخص مُختَصٍّ.  

ماذا نقصد بشخص مُختَصٍّ؟ هو شخص مُختَصٌّ بالمشورة النَّفسيَّة أو العلاج النَّفسيِّ، أو طبيبٌ نفسيٌّ.

قد يكون الاكتئاب من أكثر المشاكل النَّفسيَّة شيوعًا لكنَّه ليس بسيطًا، فأعراضه قد تتطوَّر إلى درجة خطيرة خصوصًا فيما يتعلَّق بأفكار الموت والانتحار، إذ قد تُصبح هذه الأفكار أكثر جدِّيَّة وتتطوَّر إلى خطَّة واضِحة ومُحاولة حقيقيَّة للانتحار.

في المقالات القادمة سنتحدَّث بتفصيل أكبر عن الانتحار؛ أسبابه، وعلاماته، وكيفيَّة التَّصرُّف مع شخص يحاول الانتحار

 

 

مواضيع ذات صلة:

ليست النِّهاية... الأمل موجود

لا أمل... هذه هي النِّهاية

إضافة تعليق
بريد ألكتروني