موضوعات أخرى

علمتني الحياة

مهارة اليد
علمتني الحياة
بقلم : جاكلين عاطف

لم أنسَ تلك الليلة التي أمضيتُها أمام مرآتي أبكي وأصرخ بعلو صوتي. كنتُ في غاية الحزن أشعر بالخوف الشديد وعدم الأمان. كيف لا وقد كانت أمي طريحة الفراش! لقد كانت مريضة جدًّا وكان الأطباء يرددون على مسمعي أنَّ حالتها كانت خطيرة. 

لم أكن قادرة على تحمل رؤية أمي الغالية عاجزة وغير قادرة على رعاتي أنا وإخوتي. نعم الأم الحنونة الراعية لم تعُد قادرة على رعاية أطفالها الصغار! كنتُ طفلة أحتاج إلى حضنها واهتمامها. لقد رأيتُ أبي ينهار أمامي من هول الصدمة. كانت مشاعري مُختَلِطة من مزيج غريب قد يبدو متناقضًا من مشاعر الخوف والقلق والُحبّ والمسؤولية والشفقة والانزعاج والحيرة والذهول والاستسلام، كان كل جسدي يرتعش وذهني تتسارع أفكاره آلاف الأميال في اللحظة الواحدة.

 

مرَّت الأيام وأنا أتعامل مع هذه المشاعر التي كانت تتكشَّف أمامي في كل يوم وفي كل مرة كنتُ أنظر فيها إلى حال والدتي. ولكن لم يكن أمامي إلا أن أختار أن أتصالح مع هذا الواقع الجديد وأقبله مع صعوبته ومرارته. ولكن خلال هذا المشوار، كنتُ أسمع هذا الصوت الهادئ يهمس في داخلي: هل ستقدرين على احتمال هذه التجربة القاسية؟ ستواجهينها على كل الأحوال ولكن عليكِ أن تختاري إمّا أن تؤول إلى كسرتك أو إلى نصرتك، فقِفي على قدميكِ الآن!

جميعنا نولد صفحة بيضاء وتتشكَّل سطور قصَّتنا وتنسج ملامح هويتنا مجموعة من العوامل، منها ما يُطلَق عليه "التجارب الحياتية" التي تُسهم بقدر كبير فيمَن نحن أو مَن سنكون، بمعنى آخر إنها تُساهم في تشكيل شخصيتنا.

 

ما المقصود بالتجارب الحياتية؟

التجربة- كما جاء معناها في المعجم- هي: اختبار مُنظَّم لظاهرة ما، يتمّ ملاحظتها بدقة للكشف عن نتيجة ما؛ لأنَّها تحدث لتحقيق غرض معيَّن.

يمرُّ الإنسان بالعديد من الأحداث والمواقف اليومية بعضها يمرُّ مرور الكرام والبعض الآخر بمنزلة محطات مهمَّة لا تتركه كما كان، ولكنها تشكِّل في سجيته وتتغلغل في كيانه تاركة أثرها في رصيده من الإرث والصورة الذاتية التي تلعب دورًا محوريًّا في صياغة شخصيته.

 

ماذا نقصد بمصطلح "الشخصية؟

 

الشخصية : 

كما عرَّفها علماء النفس: هي مجموعة السِّمات والصفات التي تميِّز الشخص عن غيره. وأضاف عالم النفس دانسون أننا يمكننا التعرف على شخصية الفرد من خلال تحليل انفعالاته وردود أفعاله في مواقف مختلفة. 

لقد خلقنا الله مختلفين واختلافنا سرّ تميُّزنا، ولكنَّ التفرد هو ما نلاحظه عندما يمرُّ شخصان بنفس قساوة الظروف ولكن تختلف النتائج. 

 

أمل شابة توفى والدها فتمسَّكت بالأمل وتحمَّلَت المسؤولية، وتحدَّت الظروف لتصبح متفوِّقة في دراستها وناجحة في حياتها العملية، وعلى النقيض منها أختها حياة التي تجرَّعَت قساوة فقد والدها وفقدت شغفها في الحياة واستسلمت إلى العزلة والاكتئاب والشفقة على النفس، فوقعت فريسة لبراثن الحزن.

 

التجارب الحياتية قد تكون نقطة تحوُّل ومصدر انطلاق وتحفيز لشخص، ومن الممكن أن تصبح محطة انغلاق وانكفاء على الذات. هناك تجارب حياتية ايجابيه مشجِّعة ومُلهمة ونعتبرها إضافة مُشرِقة إلى شخصيَّتنا، تحثُّنا على السعي ونبتسم حين نسرد تفاصيلها المحفِّزة، بينما هناك تجارب أخرى سلبية موجعة تؤذي مشاعرنا وتشتِّت أفكارنا وتعرقل ثوابتنا، فتعبث بملامحنا بمجرَّد تذكُّر عنوانها.

 

إنَّ تجربتي الشخصية أثناء مرض أمي كانت لا تُحتمَل بالنسبة إلى طفلة مدلَّلة مثلي، لكنني أدرك أنها أعدَّتني ودرَّبتني وأغنت شخصيتي بمهارات عملية كثيرة لم أتقنها دون الفحص بتوُّجه واعٍ في مدرسة الألم. الأمر الذي فقده أخي الذي انهار وهرب، وكأنه وافق مجازًا أن تهزمه الظروف فأصبح أنانيًّا غير قادر على تحمُّل المسؤولية إذ شعر بصغر النفس ولم يتمكَّن من اتخاذ قراراته المصيرية.

أنا اخترتُ أن أكون فاعلة فتعلَّمْتُ وانتصرتُ،

لكنَّ أخي اختار أن يكون ردَّ فعل فانهزم وانكسر.

 

النسخة الأصيلة: 

نعم أشاركك الأفكار التي تنهال داخلكِ الآن. النصرة ليست سهلة فهي طريق يحوي منحنيات، ولكنَّ أهميتها تكمن في أنها تعمل عمل الفلتر الذي يكشف عن صفات جديدة في شخصيتنا أو يجعلنا نسير في رفقة التحدي مع ذواتنا لنُصبح أفضل نسخة من أنفسنا.

و يظل التساؤل قائمًا:

كيف يمكنني التعامل مع تجربتي الأليمة؟

هل شخصيتي تتأثر بالتجربة أم تؤثر فيها؟

هل يمكنني تحويل نتائجها إلى صورة جرح مشفية آلامه؟

دعيني أهمس إليكِ: نعم تستطيعين! إنها الحقيقة التي اكتشفتُها بنفسي ولنفسي، وأحبكِ أن تعرفي أنها تنطبق عليكِ أنتِ أيضًا. 

 

لذلك أريد أن أصحبكِ معي الآن في جولة لأشاركك خريطة طريق متاهة تجربتي: 

 

  1. كلام بدون ملامة: 

صيغي تجربتك ببساطة وخاطبي نفسك بها بدون ملامة نفسك أو أحد، ولا تتمادي في تجسيد دور الضحية.

 

  1. استخدمي كفتا الميزان: 

تدرَّبي أن تفكري في ظروفك باستخدام لغة عقلك الحيادية الواعية لصياغة الحقائق من حقوق  وواجبات، وأيضًا استمعي إلى أنّات قلبك دون اللجوء لاستخدام  إحدى الحيل الدفاعية من هروب أو إسقاط الأمر بالكامل لينحاز إلى جانب واحد. إنَّ العقل والقلب معًا مرساتك لتحليل واقعك باتزان.

 

  1. اعترفي بمحدوديتك:

اطلبي المساعدة من أشخاص تثقين بهم لتعضيدك والوقوف بجانبك إلى أن تجتازي محنتك.

 

  1. استحضري قوتك الذاتية:

ذات يوم قامت سيدة عجوز برفع عربة ثقيلة الوزن عن ذراع حفيدتها إثر حادثة تعرَّضَت لها، وظلَّت تبكي؛ لأنها أدركت أنها لطالما كانت تملك قدرة داخلية لم تكتشفها طوال حياتها.

إنَّ الله يعلم بثقل تجارب الحياة، لذلك أعطى لكلٍّ منا قوة داخلية تظهر في المواقف الصعبة فقط. عليك إفاقتها لتفعيلها لعلَّها تكون سبيلك الوحيد للاجتياز والتمكين.

 

  1. خذي استراحة محارب: 

داومي على أخذ وقت تجلسين فيه مع نفسك حتى في أصعب الأوقات، تسلَّحي باحترافية ذاتك، وانتبهي لإجراءات السلامة خلال المعركة التي تتمثل في إيمانك واعتزازك بنفسك؛ لأنَّ علاقتك بذاتك هي صمّام الأمان لكل حروبك. لذلك تذكَّري أن تداومي على أخذ هدنة للصمت والتفكير كما أسمّيها "استراحة المحارب" لتتنفسي. حافظي على سلامك الداخلي رغم العاصفة.

 

تذكَّري أنَّ الحياة لا تُعطي دروسًا مجّانية لأحد. الحاضر والمستقبل هما خبرات لنتاج الماضي، وتصرُّفك تجاه ظروفك هو حجر الزاوية لتشكيل شخصيتك ودفع فاتورة مقدَّمًا لمستقبلك. أما أنا، فقد دفعت فاتورتي الخاصة رصيدًا من الألم والحزن والبكاء، ولكن ظلَّ في داخلي إصرار أن أحوِّل دموعي الغزيرة إلى نهر مياه تعبُر خلاله سفينة حياتي إلى برّ الأمان. فخضعت بإرادتي إلى التشكيل واعتمدت على نفسي وأصبحت ماهرة في إدارة المنزل، الأمر الذي أهَّلني أن أصبح الآن زوجة مدبِّرة وأمًّا حكيمة. وفوق الكل اكتسبتُ قلبًا يُشفق ويسمع لجميع المتألِّمين ويرغب في مساعدتهم. فرغم التزامي بكل واجبات المنزل واعتنائي بإخوتي الصغار وأبي وأمي المريضة، لكنَّني تحدَّيتُ واقعي بأن أكمل دراستي الجامعية، وكنت من الطلبة المتفوِّقين الملتزمين في الكلية، فحصلت على منحة دراسية.

وإذا بشعاع نور يولَد فيخلق داخلي نوافذ جديدة من التحدي والأمل رغم الألم الذي حثَّني على أن أتخصَّص في دراسة الإرشاد النفسي والعمل في هذا المجال تحديدًا لمساعدة ومساندة مَن يمرّون بأوقات صعبة. لقد أصبحت بشهادة الجميع متميِّزة بمجالي ليس فقط لأنني متعلِّمة في أفضل الجامعات؛ لكن لأنني كنتُ وما زلت أوَّل المجرَّبين الذين يصرّون- عند الدخول في حرب التجربة- ألّا يدعونها تهزمهم، وهكذا انتصرتُ عليها بتشكيل شخصيتي.

 

التجربة سجن أبَيت أن أخنع لظلمتها، واستنرتُ بخضوعي لرفقتها إلى حين، حتى حصدتُ ثمار ما رَوته دموعي فابتهج قلبي بين ضلوعي.

 

لذا حين يسألني الناس: أين أتقنتِ كلَّ هذه المهارات وكيف تتمتَّعين بشخصية قوية ومرِنة قادرة على صنع فرق؟ 

أبتسم وأجيب ببساطة: لقد علَّمَتني الحياة!

 

علَّمتني الحياة 

 

أنَّ الظلام يأتي بعده نور

والاستسلام للألم كالمكوث بين القبور

فجمعت أشلاء تجاربي وصنعت سورًا

وقفت عليه لأرى في مرآتي جمال ذاتي       

دون كسور، ليكن نور

 

وهكذا أنتِ أيضًا تذكَّري

في غمرة انكسارك، و في أوج حزنك وانهيارك

عندما تتناثر دموعك فيشابه ليلك نهارك

تذكَّري أنَّ قطرات المطر المنهمِلة على وجهك

تداعبك بصوت خافت قائلة:

"تفاءلي؛ سيأتي موسم الحصاد!"

إنَّ الزهرة التي تتبع الشمس تفعل ذلك حتى في اليوم المليء بالغيوم، وإنَّ الساعة الأكثر ظلمة هي التي تسبق شروق الشمس. فإن خنقك دخان ألم محنتك، أسرعي بفتح نوافذ الدُّعاء ليتجدَّد الهواء بكلمة: يا الله!

 

 

 
  • المصادر: كتاب (خطوات عظيمة، القليل من التعبير يحدث الكثير من الفارق) للكاتب أنتوني روبنز، ١٩٨٣.
 
  • Book ( The Secret ) ، the author is Rhonda Byrne ، 2006.

 

إضافة تعليق
بريد إلكتروني

 

أو يمكنك التواصل معنا بمسج خاصة عبر صفحتنا على الفيسبوك