موضوعات أخرى

فرحة ابنتي

حكايات من الشارع
فرحة ابنتي
بقلم : كارولين فاخوري

يوم زفاف الابنة، تجلس الأمُّ صامتة تراقب طقوس إتمام الزَّفاف بقلب يكاد ينفطر من تخبُّط المشاعر المتأجِّجَة فيه. وفي لحظة ما، ترِقُّ دمعة في عينَيها فتحاول إخفاءَها إلا أنَّ شجاعتها تخونها، وتكاد تنفجر باكيةً وسط تعليقات مازحة ممَّن حولها من المبتهجين بفرحة العروسَين الَّذين سيبدآن أولى صفحات كتاب حياتهما معًا.

أرى في وجه الأمِّ في تلك اللَّحظات مسلسل حياتها مع ابنتها، فها هي الآن ترتدي فستانها الأبيض، وتختال بين الجموع واثقة بجمالها وقيمتها في عينيِّ شريك حياتها، لكنَّها في عينيِّ أمِّها لا تزال طفلة تخطو أولى خطواتها نحو أمِّها؛ لتحملها، وترفعها، وتسندها، وتعضدها، وتعلِّمها، وتوجِّهها.

صراع بدأ يرمي جذوره في قلبها، ويجمع دموع الفرح في عينيها منذ تلك اللَّحظة الَّتي تقدَّم فيها ذلك الشّابُّ الوسيم لطلب يد ابنتها الغالية، وبالرَّغم من فرحها الكبير بأنَّ قرَّة عينها قد أصبحت امرأة تجذب الانتباه بأنوثتها وذكائها وحكمتها ومهاراتها الَّتي تعلَّمَت غالبيَّتها من أمِّها ــــــــــــ إلّا أنَّ كلَّ يوم يمرُّ كان يُقَرِّب يوم افتراقها عن ابنتها. وتكاد لا تشعر بذلك الشُّعور أثناء زحمة الانشغالات، والتَّرتيبات، والمُشتريات، والارتباطات، وعشرات بل مئات المُخطَّطات الَّتي تناقشها فيها ابنتها في كلِّ يوم، إلى أن يحلَّ ذلك اليوم الَّذي تسلِّم فيه يد صغيرتها إلى زوجها، فيأخذها ويخرج بها من بيت طفولتها، وليس المقصود به المبنى وإنَّما أمان العائلة ومحبَّتها. هذا البيت الَّذي نشأت فيه وترعرَعَت، هذا البيت الَّذي نطقَت فيه أولى كلماتها "ماما"، والَّذي خطَت فيه أولى خطواتها المتمايلة، هناك حيث كسرَت أواني الزُّجاج وهي تحاول أن تغسل الأطباق مثلما تفعلُ "ماما". هذا البيت الَّذي تعلَّمَت فيه القراءة، والكتابة، والطَّبخ، والغسيل، والعادات والتَّقاليد، البيت الَّذي تصرخ كلُّ زاوية فيه بذكريات شقاوة الطُّفولة، وعنفوان المُراهَقَة، وجهاد الشَّباب، وجمال الأنوثة.

شعور جميل من الفرح الغامر لفرح ابنتها يمتزج بشعور صعب من الفراق، فمنذ الآن لن تنام في تلك الغرفة الَّتي لطالما اختلفَتا على تنظيفها وترتيبها، ولن تستيقظ ناعسة في الصَّباح تطلب طعام الإفطار، ولن تلحَّ على الجميع أن يلبّوا طلباتها بدلال البُنَيَّة. فمنذ الآن أصبحَت سيِّدة بيتها الخاصِّ، اعتبارًا من الآن ستأتي ضيفة في زيارة خاطفة لتركض في إثر خطوات زوجها المتعجِّلة للعودة إلى راحة بيتهما.

يا له من يوم جميل وصعب في آنٍ معًا! يوم تختال فيه العروس في أولى خطواتها لتُصبح أمًّا مُستقبَليَّة تحمل في طيّات قلبها قلبًا كبيرًا علَّمها أن تكون امرأة. دمعة ترقُّ في عينيِّ "ماما" تعني الكثير الكثير ممّا لا يمكن قوله في كلمات تقصر عن التَّعبير. لكنَّ دورة الحياة تستمرُّ وتصبح الابنة المدلَّلة أمًّا تُربّي جيلًا جديدًا، ومع كلِّ مرحلة من مراحل الحياة يفيض قلب الأمِّ بمشاعر لا يفهمها أحد إلّا مَن مرَّ بتجربة مشابهة، والله الَّذي زرع هذه المشاعر الرَّقيقة النّابضة بالحُب في قلب كلِّ أمٍّ. فكلُّ الاحترام لكلِّ أمٍّ تعمل على تربية جيل قادر على بناء المُستقبَل بأيادي وسواعد متمكِّنة بمهارات إيجابيَّة تدعم الحياة.

شاركينا بتجربتِك الخاصَّة، سواء كنتِ أمًّا تفرح بابنتها أو ابنة تفتخر بأمِّها؛ فنحن نُحِبُّ أن ندعمكِ وأن نتعلَّم من خبرتِك الحياتيَّة.

 

مواضيع ذات صلة:

أمِّي هي قدوتي الأولى

إضافة تعليق
بريد ألكتروني