موضوعات أخرى

نورٌ جديد من ألم

حكايات من الشارع
نورٌ جديد من ألم
بقلم : ديمة فاخوري

كانت السّاعة الواحدة صباحًا في ذلك المستشفى المُعتم، حيث رائحة التَّعقيم الممزوج بالخوف والألم والتَّرقُّب، عقلي مشغول وقلبي متألِّم، ونفسي تنتظر خبرًا يرُدُّ لها رجاءها. كانت الدَّقائق تمرُّ ساعاتٍ، والانتظار أشبه بجرح سيف يخترق الأحشاء شيئًا فشيئًا. استمرَّ الحال على ما هو عليه؛ رتيبًا لا يُحَرِّك ساكنًا إلى أن قرع جرسٌ جعل كلَّ الممرِّضين يتجمَّعون، ويُغلقون الباب وراءهم، ويمنعونني من الدُّخول.

كان فمي عندها جفافًّا، ولساني يستطعم خلًّا، وأنفاسي اختنقَت في داخلي. ماذا عساني أفعل؟ كانت يداي ترتعشان وقلبي يخفق بقوَّة، أصوات أجهزة قياس الضَّغط ومستوى الأكسجين في الدَّم كانت تحدِّد إن كان أبي الغالي سيبقى على قيد الحياة ليفرِّح قلب ابنته، تلك الَّتي كانت تشتهي أن ترى والدها يحيا عمرًا مديدًا، يتمتَّع ببركة رؤية شبابه يتجدَّد وعظامه تحيا، وحفيدَيه يكبران حوله ويشهد زواجهما، ذانك أعينهما مَن -في اللَّيلة السّابقة لرقودك في غيبوبتك يا أبي- بِتُّ بجوارهما في السَّرير؛ ظانَّة أنَّني في الصَّباح الباكر سأراك وأكلِّمُك! وها أنا الآن أكلِّمُكَ دون أن أسمع صوتكَ الجميل، ألمسك دون أن أجد حضنًا يضمُّني، كنتُ بجانب سريرك أراقبكَ وأرى رعشة في جسدك تردُّ عليَّ: "أنا هنا أسمعكِ، أكملي يا حلوتي!"

كانت كلُّ هذه الأفكار تتصارع في ذهني، وأنا أمشي ذهابًا وإيابًا في ردهات طابق الطَّوارئ لأرجع وأقف بجانب سريره؛ ألمسه وأتأمَّل ملامحه الَّتي تُكافح لتتنفَّس الحياة من جديد، وتتأمَّلني -أنا جوهرتُه- وتخيَّلتُ يده وقد تحرَّكَت لتلمسني بدورها. كان كلُّ الأقارب والأحبَّة والإخوة قد اجتمعوا حولي، متكاتفين معًا بقلب واحد وباتِّفاق يُصلُّون بوضع أيديهم على باب غرفته الَّتي قد أغلِقَت، ولكنَّهم -بقوَّة إيمانهم- فتحوا طاقة نحو السَّماء. كنتُ أقف هناك مُصلِّية باكية، صارخة مُستنجِدة طالبةً فرصة أخرى من إلهي.

ووسط زحام فكري وتسارُع آمالي، خرج الطَّبيب من غرفته ليُقاطع أحلامي ويستأذنها بالتَّوقُّف إلى حين، قال: قد توقَّف قلبه، ولكن قد عادت له الحياة، لكن لا تترجّي الكثير! شعور الامتنان لإلهي وسند إخوتي كان لا يوصَف، فأخذ قلبي يلهج بالشُّكر. ارتحتُ قليلًا بعد سماع هذا الخبر الَّذي أثلجَ صدري -ولو إلى حين- ففكَّرتُ في مغادرة المكان؛ لأرتاح قليلًا ثمَّ أعود، فمناوبتي لليوم في قسم العناية الحثيثة قد انتهت، وولداي في البيت في انتظاري. لكنَّ همسًا خافتًا في روحي جعلني أتوانى وأنتظر، شعرتُ وكأنَّ روحي تتحضَّر إلى ما هو قادم، هذا النَّوع من التَّجهيز مؤلم يرفضه عقلي رغم أنَّ فؤادي يُدركه، وتُشدِّده روحي الَّتي كانت حيَّة أكثر من أيِّ وقتٍ مضى.

ثمَّ فجأة سمعتُ نداء الطَّوارئ يملأ العنبر ثانية، الأطبّاء يركضون والأجهزة تتنقَّل في الأرجاء. مرَّت لحظات بسرعة البرق، لحظات تجمَّدتُ فيها كالجليد في مكاني، وتوقَّف قلبي فيها عن التَّفكير، ولم أمتلك إلَّا أن أسلِّم بالكامل. نظرتُ عبر الزُّجاج الطَّبيبَ والممرِّضين يحاولون جاهدين، وينظرون إلى تلك الشّاشة، ثمَّ يضعون على صدره جهاز الصَّدمة الكهربائيَّة عساه يُحييه من جديد، يضعونه مرَّة تلو الأخرى بينما كنتُ أنا مَن أحتاجه الأكثر! كان لا زال لديَّ بصيص أمل، لكنَّني أفسحتُ المجال لنورٍ من نوعٍ آخر قد أحتاج إليه ليقودني في بقيَّة الطَّريق.

خرج الطَّبيب ولم يعرِف ماذا يقول، فهمتُ من تعابيره فلم يحتَج إلى الكلمات. عندها صرختُ بكُلِّ عزمي مُفَجِّرة صرخةً أخرَجتُ فيها كُلَّ ما تبقّى فيَّ من أمل، صرخة امتزَجَت بكلِّ ذكرياته الَّتي غدَت جزءًا منّي لا يُفارقني، تساءلتُ: هل إلى هنا انتهى المشوار؟ هل غدا موته واقعًا وانتهى؟ ماذا يا ربُّ عن بقيَّة الذِّكريات؟ ماذا عن أحلامي بعيدة الأمد الَّتي كانت ستتحقَّق في عمره الطَّويل، وهو بجانبي وفي صوري وقصصي وذكرياتي القادمة؟ ماذا عن كلِّ ما تصوَّرتُ أنَّه سيكون؟ بعد بكاء طويل وعتاب، شعرتُ نفس الرُّوح في داخلي تُطمئنني بأنّه ثمَّة رجاء، صوتُه في داخلي يقول لي: "أنا هنا وسط الألم، لا تخافي! أدرك ما تمرّين به، وسأكون معكِ نورًا وسراجًا. لا تفكِّري في الآتي؛ فأنا هناك أيضًا، ولا في ذكرياتِك؛ فأنا سأملأها بحاضري." عندها كففتُ عن البكاء وسلَّمتُ، قُمتُ وانتصبْتُ، وقُلتُ: الرَّبُّ أعطى والرَّبُّ أخذ، فليكن اسمُكَ يا ربّي وإلهي مبارَكًا.

من يومها وحتّى اليوم، وبعد مضيِّ أكثر من عامَين، وإلهي مُمسِك يدي، يرفعني ويُشَدِّدني، ويُشكِّلني، ويُحيي ذكرى والدي في حياتي بطرقه العجيبة. ألمي لم يختَفِ ولكنَّ ذكراه صارَت للبركة، ممزوجة بنفحة إلهيَّة وطمأنينة وسلام وسكينة، بِتُّ أختبرها في أيّامي بلمساته الحانية، وتعاملاته الصّالحة؛ بحضن زوجي، وسند أخي، وحديث أختي، بضحكةٍ ارتَسَمَت على وجه ولدَيّ. وللآن، لا زلتُ لا أفهمُ الكلَّ، ولكنّه أراني الصُّورة الكُبرى بعينيه هو؛ أراني أيّامنا المعدودة مقابل حياته الأبديَّة، أراني خطَّته تتحقَّق بمفهوم وطعمٍ لحياتي جديد، أنا فيها شريكة له في عمل مجيد، أنا وإخوتي نعمل في حقله لوقت ليس ببعيد. عندها أدركتُ أنَّني قد سلَّمتُ الكُلَّ إلى مَن هو الكُلُّ في الكُلِّ، ذاك الَّذي ينتظره قلبي ليتشدَّد ويتشجَّع، موقنةً بمَن آمنتُ وراجيةً أن أرى جودَه في أرض الأحياء.

اليوم أنظر إلى صورة والدي في ذهني وفي كلِّ ما تركه من حولي، في كلِّ إنجاز خلَّفه، وفي كلِّ إرث تركه، أنظره فيَّ، في داخلي، ولمّا أرى صورته هناك في غرفة المعيشة الَّتي جمَعَتنا، وفي كلِّ ركنٍ في بيته الغالي، أقف -والدُّموع الصّادقة تملأ عينيَّ- أكلِّمه بشفافيَّة وأعبِّر له عن مشاعري الحقيقيَّة تجاهه، ثم أبتسمُ وأقول: كم أشتاق إلى رؤياك، وأنتظر هذا اليوم بفارغ الصَّبر!

 

مواضيع ذات صلة:

الألم: تجربة أم باب مفتوح

إضافة تعليق
بريد ألكتروني