موضوعات أخرى

أستير

حكايات من الشارع
أستير
بقلم : كارولين فاخوري

قصَّتي اليوم قصَّة شابَّة تُحاكي حياة الكثيرات منا، حياة سارَت كما لم تخطِّط صاحبتها لها، وأحيانًا كما لا تشتهي. وبرغم أوقات فرحٍ تخلَّلَتها إلَّا أنَّ التَّحدِّيات فيها كانت كبيرة، وقبل أن أُفصِح عن مغزى الحكاية عليَّ أن أسردها، أو بالحريِّ أكتبها لكِ لتقرئيها، وعليكِ أن تبحثي عن صورتِك فيها برغم تمايز التَّشابهات واختلاف المتشابهات، فلكلٍّ منّا قصَّة صراعها ونجاحها.

كانت هَدَسَّة –وهذا اسمها الحقيقي- شابَّة في مُقتبل العمر، جميلة ورقيقة، مهذَّبَة الطِّباع وحكيمة. حُرِمَت من والدَيها قبل أن تفهم ماهيَّة الحياة، وتولَّى أحد أقربائها تربيتها. وبرغم أنَّه أحبَّها واعتنى بها إلَّا أنَّهما كانا يعيشان في بلاد غريبة لها عاداتها وتقاليدها، وكان عليهما أن يخضعا لقوانينها حتّى وإن لم تكن متوافقة مع معتقداتهما.

وفي يوم ما، جاء رجل من بيت أحد المتنفِّذين، وأخذ هَدَسّة من بيت قريبها، وبدأ بتجهيزها لتكون محظيَّةَ ذلك المتنفّذ، فكانت الفكرة مُرعِبة بالنِّسبة إليها، وهي العذراء الَّتي لطالما حلُمَتْ بالزَّواج من فارس أحلامها، لكنَّها اضطرَّت إلى الذَّهاب معه حِفاظًا على حياتها وإبقاءً على حياة مربِّيها، فتغيَّر اسمها قبل أن تتغيَّر حياتها. وبرغم صعوبة الحياة في بيت النِّساء إلَّا أَنَّ هدَسَّة بحكمتها استمالَت قلبَ كلِّ مَن تعرَّف عليها بلطفها وطيبة قلبها وحكمتها، ومنهم ذلك الرَّجل الَّذي أخذها من بيتها، فأوصاها بما ينبغي عليها أن تفعل لتنال رِضى ذلك المتنفِّذ فلا يُسيء إليها. وبالفعل أطاعت هدَسَّة وفعلَتْ كلَّ ما أوصِيَتْ بفعله مصحوبًا بروحها الطِّيِّبة ونفسها القانعة، وما ساعدها على ذلك كان إيمانها العميق بأنَّ الله لن يسمح بضرر يحدث لها؛ لأنَّها ابنته المحبوبة، فوثَقَت بأنَّ لله خطَّة لحياتها، وأنَّ عليها أن تعيش مِلء الحياة بحُلْوِها ومُرِّها لتكتشف خطَّة الله لها.

استطاعَت هدَسَّة بأناقة روحها وجمالها الدّاخلي -قبل الخارجي- أن تستميل قلب المتنفِّذ، وبدلًا من الإساءة إليها واستغلالها قرَّر أن يتزوَّجَها وأن يجعلها شريكة حياته. ويا لسعادة هدَسّة! فهذه حياةٌ لم تحلُم بها قطّ، حتّى في أحلام يقظة مراهقتها. وها هي تصبح السَّيِّدة الأولى للبيت، وهذا ما أثار غيرة آخرين منها ومن قريبها الَّذي كان بدوره يصنع الخير دون انتظار مقابِل، فأصبح له مكانة في بيت المتنفِّذ. وبدأت المكائد تُحاك ضدَّ مُربّي هدَسَّة، وامتدَّت هذه المكائد للنَّوال من كلِّ شعبها الَّذي تنتمي إليه وتحبُّه من كلِّ قلبها، وما زاد الطِّين بِلَّة أنَّ زوجها نبذها ولم يعُد يطلب رفقتها، فشعرَت بالوحدة والخوف من المستقبل.

أشاع الخوف حبالَه في قلب هدَسَّة، لكنَّها كانت تعرف في أعماقها أنَّ الله هو ملجأها الوحيد، وأنَّه هو القادر على تحويل كلِّ الأمور لتعمل الخير للَّذين يحبُّونه. فأرسلَتِ الرُّسُل إلى كلِّ مَن تعرفه ليصوموا ويصلّوا مدَّة ثلاثة أيام بلياليها، ومن ثمَّ استجمَعَت شجاعتها وذهبَت للقاء زوجها الَّذي كان بإمكانه الإطاحة برأسها عن جسدها بإشارة واحدة، لكنَّه فُوجِئ بجُرأتها ورِقَّتها وحكمتها وحُسن تدبيرها، فلم يسَعْه إلّا أن يُصغي إليها وأن يفعل ما تريده، فأنقذَت نفسَها وقريبَها وشعبَها بصبرها، وثقتها بإلهها، وحكمتها، وبصيرتها النّافذة.

إلى هنا انتهَت حكاية هدَسَّة، وهي قصَّة حقيقيَّة وردَت في الكتاب المقدس. لتعرفي تفاصيلها الدَّقيقة يمكنكِ أن تقرَئي سفر أستير الوارد في العهد القديم، فهدَسَّة هي أستير نفسها، وهذا كان اسمُها قبل أن تُسبى، وقريبُها هو مُردخاي الَّذي ربّاها، أما المتنفِّذ فهو الملك أحَشويروش. لكن! ألا توافقينني الرَّأي أنَّ قصَّة حياة هدَسَّة/أستير (قبل أن تعرفي مَن هي) تُشابه حياة كلِّ واحدة منا؟ فحياتنا مليئة بالتَّحدِّيات والصِّراعات، وتعُجُّ أحيانًا بأحداث لا تروقنا وتجعلنا نشعر بالخوف والقلق والرَّهبة من المُستقبل. لكنَّ الدَّرس الَّذي نتعلَّمه من هذه القصَّة هو أنَّ الله قادر على كلِّ شيء، وأنَّنا إن تحلَّينا بثمر الرُّوح القدس في حياتنا واعتمَدنا على الله في كلِّ ما نفعل بدلًا من الاعتماد على مواردنا، ومعارفنا، ومعرفتنا؛ فإن الله سيعمل على تحقيق خطَّته لحياتنا الَّتي لا تؤثِّر علينا فقط بل تؤثِّر في كلِّ مَن يعرفنا.

أتحدّاكِ أن تسلِّمي حياتكِ لذاك الَّذي أحبَّكِ أكثر من الكلِّ، وخلقكِ لتكوني جميلة على صورته ومثاله، وقادرة على عيش حياتِكِ للملء؛ كونكِ مُعينة للرَّجل نظيره، ومليئة بالحكمة السَّماويَّة؛ إن خضعتِ لتعاليمه وحافظتِ على علاقتكِ معه متينة وقويَّة. أتمنّى لكِ حياة سعيدة مليئة بالإنجازات المؤثِّرة، وأرجو أن تشاركينا بقصَّتِك، فهي ما يُلهمنا للاستمرار في تشجيعِك.

إضافة تعليق
بريد ألكتروني