موضوعات أخرى

لا تستطيع الأخت أن تخلِّص أختها!

حكايات من الشارع
لا تستطيع الأخت أن تخلِّص أختها!
بقلم : أناستازيا

رأتْ حُلمًا لم يبدُ لها مُريحًا؛ رأتْ أنَّها وأختها في سيارة خضراء معًا، وفجأة وبينما كانت السَّيَّارة تمشي خرجَت أختها منها واتَّجَهت إلى صحراء قاحلة، فأوقفَت السَّيَّارة بسرعة وخرجت منها، وركضَت بلهفة وخوف لتُناديَ أختها وتطلب منها أن تدخل السَّيَّارة، لكنَّها رفَضت، وإذ بأختها تمشي بسرعة في هذه الصَّحراء تقول إنَّها تشعر بالعطش وتريد أن تبحث عن ماء. راحت تُراقبها من بعيد وهي تفتِّش عن الماء فتجد آبارًا جافَّة وأخرى مالحة، لكن لم تجد أيَّ ماء صالح للشُّرب. فكانت تحزن على أختها وتذكِّرها بأنَّه ثمَّة ماء عذب للشُّرب في السَّيَّارة، وتطلب منها أن تعود. ولكنَّ أختها كانت ترفض الاستجابة، ثمَّ أخذت تُنادي عليها بقوَّة مرَّة أخرى وتالية، ولكنَّها كانت تظلُّ رافضة، وتذهب بعيدًا في الصَّحراء. وكلَّما نادت أختها بقوَّة أكبر دون استجابة شعرَت بالضِّيق، وفجأة استيقظَت من النَّوم.

شكرَت ربَّها بأنَّه مجرَّد حلم، ولكنَّه بدا لها حقيقيًّا جدًّا حتَّى بدأت تتلفَّت حولها وتنظر لتطمئِنَّ على أختها، وإذ هي غارقة في نوم هنيء. كانت تصلِّي دائمًا لها لتختبر الله مُخلِّصًا شخصيًّا لحياتها. كانت تحبُّ أختها فتحاورها عن الله وحُبِّه لتتلاقى معها، لكنَّ أختها كانت تُحِبُّ البحث والحُجَّة والبرهان، ولا تُحِبُّ البساطة في الإيمان مثل الأطفال، وتقول بأنَّها لا تؤمن به، وإذا هو موجود لا تريده ليُصبح هو إجابتها عن كلِّ ما لا تستطيع تفسيره، أو حتَّى أن تتقبَّل اختلاف الأمور والظُّروف عمَّا تُحِبُّه لحكمة ما لديه! فالكلام الَّذي يستخدمه الكثيرون (مشيئة الله والله أعلم) لكلِّ أمر يبدو لها غير مقبول؛ فهي ترى أنَّ الله يسمح بالكثير من الألم والحزن والظُّلم والمرض، فتريد بذاتها أن تبحث عن خالق الكون، وأن تجده وتفهم: هل هذا الظَّلام هو مشيئته؟ ولماذا ستطلبه شخصيًّا إذا كان يسمح بمثل هذا الظُّلم؟

بدأت تُحاورها بأنَّ الله هو الَّذي يُحبُّها ويريدها، وأن تكون دائمًا قريبة منه هي مشيئته لها، ولكن -وحيث أنَّ الله طاهر وعادل ومُحِبٌّ- فهو يُحبُّها كما هي ولا يطلب منها أن تكون غير ما هي عليه. ولكنَّها -مثلها مثل باقي البشر- ترتكب الخطأ؛ فهذه طبيعة كلِّ البشر، فلا أحد كامل وصالح، وفعل الشَّرِّ –من قِبَلنا كبشر- دائم ووارد ومُتكرِّر، سواء بقصد أو غير قصد، فنُلحق الأذى بأنفسنا وبغيرنا، فما يزرعه الإنسان إيَّاه يحصد. والأهمُّ أنَّها تُخطئ أمام الله القدُّوس؛ وهكذا تكون قد أخطأت في حقِّه وحقِّ نفسها وغيرها في الأرض. وأمام عدل الله فإنَّها يجب أن تنال جزاء خطئها بسبب فعل الخطأ؛ حيث ثمن الخطيئة هو الموت والانفصال عن الله، ولكنَّ اللَّه أحبَّها وهو يرغب في أن يتقابل معها، فأوجد بذاته الطَّريق إلى العدل بأن يتحمَّل هو عقابها عن خطئها، لذلك جاء ونال العقاب عنها في يسوع المسيح. وفقط بإيمانها بأنَّه تمَّ الغفران لها يتمُّ التَّقابل بينها وبين خالق الكون لتبدأ معه حياة جديدة يُعطيها فيها القوَّة لمقاومة كلِّ ضعف، وفكر، وفعل فيه فساد لها ولغيرها، فكما هو مكتوب في الكتاب المقدس: "إِنِ اعْتَرَفْتَ بِفَمِكَ بِالرَّبِّ يَسُوعَ، وَآمَنْتَ بِقَلْبِكَ أَنَّ اللهَ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، خَلَصْتَ".

أنصتت أختها باهتمام إلى الحديث، ثم قالت لها إنَّها تُريد أن تُفكِّر لوقت وأن تبحث إذ لا تريد أن تتسرَّع، واحترامًا لأختها انسحبت من الجلسة تجنُّبًا للضَّغط عليها، وأملًا بجلسة أخرى يستكملان فيها الحديث عن العلاقة الشخصيَّة مع خالق هذا الكون الكبير! وكلُّها ثقة كبيرة بخالق الكون وبقدرته أن يُبيِّن محبَّته لأختها، وبالأخصِّ أنَّ أختَها تبحث عنه، وكما هو مكتوب في الكتاب المقدس: "وَتَطْلُبُونَنِي فَتَجِدُونَنِي إِذْ تَطْلُبُونَنِي بِكُلِّ قَلْبِكُمْ." 

لكنَّها تخاف عليها -كما رأت في الحلم- من أنَّها بينما تبحث أن تختار الصَّحراء وتبقى عالقة تبحث فيها عن الماء، وترفض ينبوع المياه الحيَّة؛ فلا تكون معها في السَّيَّارة الخضراء الَّتي تمثِّل لها الحياه الأبديَّة. كانت قلقة عليها أن يأتي يوم الرَّبِّ دون أن تتمكَّن من قبول عمل الخالق لأجلها بالفداء؛ فهي تعرف بأنَّ يوم الرَّبِّ قريب ويأتي دون إنذار مُسبَق، وتشعر بقرب هذا اليوم تمامًا كما تستشعر الأشجارُ حرارةَ شمس الرَّبيع، فتُعطي الأوراقَ والأزهارَ استعدادًا للصَّيف ثمَّ الحصاد. ولكنَّها تعرف جيِّدًا بأنَّ قبول الخلاص يتمُّ ذاتيًّا ومن الشَّخص نفسه، ولا تستطيع الأخت أن تُخلِّص أختها، لكنَّها تؤمن بقوَّة الصَّلاة وتدخُّل خالق الكون لتتمَّ مشيئته الصَّالحة في حياة أختها؛ فمشيئته لها أن تقبل محبَّته، وعدله، وفداءه، وخلاصه. لذا كانت تركع بجانب سرير أختها وتصلِّي للإله القدير كلَّ ليلة -بلا ملل- تطلب مشيئته أن تتمَّ في حياة أختها.

إضافة تعليق
بريد ألكتروني