موضوعات أخرى

رسالة إلى أبي

واقع حال
رسالة إلى أبي
صديقة الموقع: هدى بكرى

لا أعلم يا أبي، هل أشكرك أم أعاتبك؟ لقد ربَّيتني لكي أكون امرأة كاملة مستقلَّة، امرأة لا تحتاج إلى شخص آخر ليُكمِّلها أو تستند إليه، حتّى ولو كان هذا الشَّخص أنتَ يا أبي! حقاً كم أنا ممتنَّة لك بهذا؛ فلقد ربَّيتَني وقوَّيتَني ومنَحتَني كلَّ هذا الحُبِّ والحنان الَّلذَين تحوَّلا في داخلي إلى ثقةٍ لا حدَّ لها في نفسي وقدراتي، لقد ساعدتَني أن أرى نفسي على صورتها الحقيقيَّة الَّتي خلقَني اللَّه عليها، أراها إنسانًا كاملًا غير ناقص وفي أحسن تقويم؛ عقلًا وروحًا وجسدًا.

ولكن، هل نسيتَ يا أبي - وأنتَ تقوم بهذا الفعل العظيم- أنَّنا نحيا في مجتمع شرقيٍّ لا يُحِبُّ مثلَ هذه الأنثى؟ يُصفِّق لها ويُعجَب بها من بعيد، ولكنَّه لا يرتضيها زوجةً لابنه، وإن ارتضاها لم يبخلَ أغلبهم بأيِّ جُهد لهدمها وإلهائها عن طموحها ومكانتها ووضع العراقيل والقيود في حياتها! هدفُهم أن يفوزوا بها، ليقوموا من ثمَّ بكسرها بإلقاء كلِّ مهامِّ الحياة على عاتقها؛ لأنَّها امرأة قويَّة تستفزُّ رجولتَهم المزعومة المُشوَّهَة.

هل نسيتَ يا أبي أنَّني أنثى تبحث بفِطرتها عن الحُبِّ والحنان، وتشتاق إلى الأمومة؟ ولكنَّ تربيتَكَ لها جعلَت من صورة الرَّجل الَّذي يرتضيه عقلها وتستطيبه روحها نموذجًا غير موجود؛ فهي ترغب في رجل يُشاركها حياتَها وتشاركه حياتَه، لا رجل يرى حياته وأهدافه وطموحه أولويَّة فوق حياتِها وأهدافها، فتُسَخِّر كلَّ لحظات حياتها في سبيل تحقيق أهدافه.

مشكلة المرأة المستقلَّة يا أبي أنَّ قلبها يميل بقرارٍ يُمليه عقلها، ولكن كيف لهذا العقل أن يجد من يجذبه في هذا المُجتمَع الشَّرقيِّ الَّذي يُقولِب المرأة في قالب موحَّد حتَّى ولو كان هذا القالبُ لا يناسبها؟ في قلبي يا أبي غصَّة، وعقلي يملؤه الصِّراع؛ ففي داخلي اشتياق لشريك وفِطرةُ الأمومة لديَّ تصرُخ، ولكنَّ قلبي وعقلي لا يجدان ما يبحثان عنه، لقد أنشأتَ يا أبي امرأة لا تصلحُ لرجال هذا المجتمع.

أستميحُكَ عُذرًا، أجِبني: أليسَت الوحدة موجِعة؟ أيُّهما موجِع أكثر: الوحدة أم القولَبَة؟ هلّا تقول لي يا أبي، ماذا أفعل؟ أأشكرك أم أعاتبك؟ أبي، ألا يوجَد رجلٌ مثلُكَ؟

إضافة تعليق
بريد إلكتروني

 

أو يمكنك التواصل معنا بمسج خاصة عبر صفحتنا على الفيسبوك