موضوعات أخرى

احمي قلبَكِ لكن لا تقسِّيه!

واقع الحال
احمي قلبَكِ لكن لا تقسِّيه!
بقلم : ليديا مجدي

كانت نشأتي في بيئة -نوعًا ما- مُتَحفِّظة وسط عائلة مُحِبّة ومُتَمَسِّكة بالعادات والتَّقاليد المتداوَلَة الَّتي تُعَد كمُسَلَّمات في تلك البيئة.

كانت والدتي حريصة جدًّا -كغيرها من الأمَّهات- على تثقيفي اجتماعيًّا حول كلِّ ما يدور حولي، فتُعلِّمني كيف أتصرَّف في مواقف معيَّنة، والَّتي حتمًا سأواجهها يومًا ما عندما أنضج كأيِّ فتاة في مجتمعي.

ولم تكن لديّ أيَّة مشكلة البتَّة في هذا، بل بالعكس؛ شعرتُ كأنَّني أتسلَّح بخِبرات مَن سبقوني وأتحصَّن بالمعرفة المطلوبة كي أواجه "الحرب" الَّتي أنا مُقبِلة عليها في سنِّ الرُّشد، هذا العُمر الَّذي أنضُج فيه كفتاة وأُزهِر، رعيان شبابي الَّذي يُفتَرَض أن يكون "أحلى سنيِّ عُمري".

ولكن كان عليَّ أن أكون حَذِرة جدًّا في تعامُلاتي، في تحرُّكاتي، في طريقة اختياري لملابسي، وحتّى في طريقة كلامي، إذ لم تَسلَم كلماتي مِن أن تُوضَع تحت المِجهر، وكأنَّني الزَّهرة الَّتي ما إن تفتَّحَت حتّى أصبَحت مَطمَعًا للأشرار مَن يُريدون استغلالها، فكان عليَّ أن أحميَ نفسي جيِّدًا من الأشواك.

ظَلَّت تِلك الأفكار تُطاردني في مُختَلَف مراحل نُضجي، وكأنَّها الدِّرع الَّذي أحمي به نفسي من الكَشف عن حقيقة هويَّتي؛ فأصبحتُ بطريقة ما مُقَيَّدة قبل أن أتكلَّم، وقبل أن أتصرَّف كان عليَّ أن أفكِّر جيِّدًا بعواقب أفعالي وتأثيرها على نَظرة النّاس لي. إذ قد وُضِع عليَّ حِمل المحافظة على هذه الصُّورة القابعةِ أمامهم بعناية، فهي سِلاحي الَّذي أحمي به قلبي من التَّلاعُب به أو توقِّع ما ليس من حقِّه في نظري.


فأصبح قلبي في اللّاوعي قاسيًا جدًّا، ليس فقط على الأشخاص المُقرَّبين منّي بل أيضًا على نفسي، صارَت توقُّعاتي من نفسي قليلة وشبه مُضمَحِلَّة، وكأنَّ الشَّوك الَّذي خَلقتُهُ لأحميَ نفسي به أصبح هو نفسه ما يَخنِق كلَّ شعور بالخروج عن المألوف، ويَخنِق كلَّ ما يُريد أن ينطلق من داخلي؛ لأنَّ كلَّ شيء يجب أن يوضَع تحت المِهجَر ويُؤخَذ في الحُسبان.

في يومٍ ما، في لحظة خارجة عن الزَّمن وبعيدة عن الواقع الَّذي أرغِمتُ على عَيشِه، قرَّرتُ -باختياري وبإرادتي الحُرَّة وبدافعِ شعور قويٍّ بداخلي- أنَّني سأحرِّر نفسي من قيودي ومن السِّجن الَّذي بنيتُه لنفسي؛ ظَنًّا منّي أنَّني أحمي نفسي من أن أشَوَّه أو أُلَطَّخ، بحيث لا أكون تلك الزَّهرة الَّتي -عندما يرى النّاس جمالَها- تُستَغَلُّ فقط وتُقطَف ثمَّ تموت.

ومثل الوردة الَّتي يملأ عبيرها المكان ويُغيِّر جمالها مَن حولها فيُعطي أملًا وحياة ويخلِق فرحًا ويُجَمِّل المكان الَّذي خُلِقَت لتكون فيه ــــ كذلك أنتِ عزيزتي: لا تربطي نفسكِ بقيودٍ صُمِّمَت لتخنق جمالكِ، ولا تُصَدِّقي الصُّورة الَّتي رسمَها النّاس لكِ أو توقَّعوها منكِ. حرِّري الألوانَ الَّتي بداخلِك، ولا تقسي على قلبِك. أطلِقي العنان لنفسِك؛ لأنَّكِ خُلِقتِ لتُشرقي وتكوني حُرَّة!   
 

إضافة تعليق
بريد ألكتروني