العدالة.. بين مفهوميها الإلهي والبشري

الخميس, 2011/12/01

بقلم: د.ق.جويل فريمان
عرض : نبيلة توفيق
الناشر: دار الثقافة

هل شعرت يوماً أنه لا يوجد مَن يدرك آلامك وملأك شعور الغضب من الله بسبب شيء فعله بك أو بإنسان عزيز عليك؟

 كتابنا هذا يحاول التعمق في التجربة الإنسانية بأسلوب واقعيّ ليكشف الفرق بين العدالة كما نراها والعدالة كما هي في الحقيقة، بعيداً عن أسلوب الجدال المجرّد، ليقدّم لنا خبرة حياتية وأفكاراً عملية تتلامس مع احتياجاتنا وتساؤلاتنا.

 

  • لا أريد أن أجرح

  لماذا يوجد الألم ؟ قد نحاول أن نفكّ شفرة الحزن والأسى، فالحياة تحمل الكثير من التحديات أمامنا جميعاً، وقد يصوّر البعض مشاعر الألم برؤية متديّنة باعتبارها بركة رائعة، وأنه أداة نافعة يعلّمنا دروساً قيّمة, لكن تبدو هذه الفلسفة خاوية في مضمونها لأشخاص يكتوون بنيران التجربة، وسلسلة من المآسي.

  ودعونا هنا نتخيل لقاء لعدة أشخاص ممتلئين بالشكاوي والتظلّم اجتمعوا معاً لتوجيه قضية ضد الله، وأول شخص رفع هذه القضية هو موسى الذي عاني مع شعب الرب، وكان نصيبه ألا يخطو خطوة في أرض كنعان بعد اجتهاده الكثير. داود ومعاناة المطاردة من شاول ومن أقرب الناس اليه, ونرى كيف كان أيوب ضحية عاجزة إذ سمح لإبليس أن يمزّقه, ثم ننتقل إلى العهد الجديد فنرى يوحنا المعمدان بعد أن اجتهد كثيراً في كرم الرب وانتهى به الحال في زنزانة مظلمة وأطيح برأسه. أما بولس فلديه قائمة من الشكاوي سواء كان تحطّم سفينة ثلاث مرات, عرياً وجوعاً ورجماً ورفضاً. وفي هذا الطابور أيضاً نجد يوحنا يشتكي من حياته المؤلمة في منفاه ببطمس، وفي جلسة الشكاوي هذه لا بدّ أن يقف أيضاً إرميا واسطفانوس وغيرهم، وكثيراً ما ننضمّ إليهم ونصرخ: لا نريد أن نُجرَح وأين العدل؟

 

  • تحوّل نحو عدالة الله

      الظلم سهل نسبياً أن نحتمله, ما يؤلمنا حقاً هو العدل، وعندما نتعرض لموقف غير متوقّع فإننا نندفع ونسقط تحت رحمة ردود الفعل الهائجة في مشاعرنا، وكلما تعاظمت المحنة زادت شدة الألم ورحنا نصرخ أكثر لله من أجل أن يُعلن عن غضبه من وراء تلك المحنة، فهو يستطيع أن يتعامل مع لغتنا القاسية ويتفهّم وينتظر بصبر دون أن ينفصل عنا، فموقفه الرعويّ لا يتغيّر وهو يُدرك أنّ إدارة الشكاوي السماوية ستظلّ دائماً ممتلئة بالمتّصلين الغاضبين الذين يصرخون: "الله ليس عادلا!"

 رؤية العدالة الظاهرة تتطلّب أن تقضي الوقت في تحليل وتقييم الظروف من خلال النظرة المحدودة لكلّ شخص واقع في تلك الظروف، وليس من رؤية الله غير المحدودة، وهذا ما نلاحظه عندما تقابل أيوب مع القوة العظمى لله, وأدرك كم هو صغير ومشاكله ضئيلة, وأيقن فوراً حاجته الماسّة إلي رحمة الله.

 

  • إنها حقيقة

  أنّ الدموع التي نذرفها على حجم ضيقاتنا تعمي عيوننا عن رؤية المراحم التي نحصل عليها، ومن الصعب أن نتحمل ذلك الألم النفسيّ الذي ينجم عن ظروف تبدو غير عادلة، وعندما نتألم نصبح غير منطقيين أو عقلانيين، لكنّ الله يستخدم الألم الجسديّ والنفسيّ لكي يخلق مناخاً به نندفع في النهاية لكي نتحدّى ونتجدّد ونسترجع قوّتنا البشرية. فالتركيز على العدالة الظاهرية يُفقدنا الغرض الحقيقيّ من المحنة أو التجربة التي سمح بها الله، ويجعلنا ننسحق ببطء في الأرض بجذور القسوة والمرارة.

  وعند مواصلتنا للعبة التذمر والشكوى فلن نفعل شيئاً سوى إطالة فترة ما يجب أن يحدث بأيّ حال، وسيستمرّ الله في اختبار طبيعة قلوبنا بظروف متنوعة ومتعدّدة حتى نتواجه مع كبريائنا المخادع ونستقبل رحمته, وعندما نستجيب لتدابير نعمته نحصل علي القدرة على الاجتياز والعبور، وهكذا ننطلق الي أعمق الوديان المملوءة بظلال الموت دون أن نخاف شراً لأنه إله صالح وعادل، فضيقات شعب الله هي المنجل الذي يهذّب الكرمة لكي يُعدّها لإثمار أفضل.

  "لذلك لا نفشل، بل وإن كان إنساننا الخارج يفنى، فالداخل يتجدّد يوماً فيوماً. لأنّ خفّة ضيقتنا الوقتية تُنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجد أبدياً. ونحن غير ناظرين إلى الأشياء التي تُرى، بل إلى التي لا تُرى. لأنّ التي تُرى وقتية، وأما التي لا تُرى فأبديّة" 2كو16:4-18

youtube  facebook  twitter