أمهات بدوام كامل، أم دوام كامل وأمهات

الثلاثاء, 2011/11/22

شيرين كرادشة

  هذا ما تشكو منه الكثير من الأمهات، الشعور بالذنب. فما أن تنتهي إجازة الأمومة وتعود الأم إلى عملها ووظيفتها بدوام كامل حتى يبدأ ذلك الشعور "الشعور بالذنب" يسيطر عليها بل ويخنقها في كل يوم، في كلّ مرة تخرج من منزلها والمطر ينهمر لتوصل طفلها الرضيع إلى الحضانة، ومع كل مرة تسلّم الشنطة وما بها من حليب وحفاظات وملابس للمربّية في الحضانة، وعندما تسمع صوت بكاء ابنها بينما تخرج من الحضانة، وعندما تقف لمدة خمس دقائق أو أكثر في الخارج منتظرة أن يتوقف عن البكاء، ولا تُعفى الأمّ التي تمكنت من أن يكون لديها مساعدة "فلبينية مثلاً" في المنزل من هذا الشعور، فينتابها هذا الشعور "الشعور بالذنب" بينما تخرج من المنزل وطفلها ما زال نائماً، وتشعر بالذنب كذلك وهي تشرح للمساعدة كمية الحليب ومقدار الماء الذي يجب أن تضعه في زجاجة الحليب. أما تلك الأم "المحظوظة" التي تسكن بالقرب من أمها وحماتها والتي أصرّت الواحدة منهما أو كلتاهما على الاهتمام بالحفيد المدلّل، فالطفل عند "الماما" و"الماما" تهتمّ به، نظافة مضمونة ورعاية كاملة وفوق ذلك طعام ساخن لها ولزوجها، هل هناك أفضل من هذا؟ أتشعر هذه أيضاً بالذنب؟ نعم فهي تتعِب والدتها، وهذا يمكنها أن تلاحظه من وجهها ومن بعض المسكّنات التي تجدها على رفّ المطبخ، وتشعر بالذنب أيضاً فهي أمّ ولكنها بعيدة عن ابنها ولا يمكنها الاهتمام به بشكل كامل. 

   وعندما تتحدّث مع الأمهات العاملات، تكون إجابتهنّ في العادة: لا يمكننا إلا العمل فالعمل هو الخيار الوحيد لنا. الحياة غالية والمصاريف كثيرة. قد يكون هذا صحيحاً لبعض الحالات ولكن في حالات أخرى وبمجرّد إجراء عملية حسابية بسيطة يمكنك أن تجدي أنّ "الداخل أو الراتب" لا يزيد كثيراً عن "الخارج أو المصاريف"، فمصاريف المساعدة المنزلية والسيارة وغيرها من المصاريف بسبب العمل خارج المنزل تساوي الراتب الذي تحصل عليه في آخر الشهر بل ربما أكثر منه، فأحياناً لا تكون الأسباب التي تدفع الأمهات للعمل هي مادية بالفعل، فالأسباب المادية أو "الحاجة" قد تُذهِب بعيداً ذلك الشعور بالذنب، ولكن لا بدّ من أسباب كثيرة تدفعهنّ للعمل.

   أما أن لا تعمل الأم وتتنازل عن وظيفتها فتلك هي خطوة صعبة جداً بل ومستحيلة بالنسبة للكثيرات، فيمكنكِ أن تسمعي قصص الكثير من الأمهات اللواتي تركن العمل لفترة وعملن كأمهات بدوام كامل، فكان ذلك بالنسبة لهنّ كابوساً لا يُحتمل، وتالياً ما يمكننا أن نصف به الأمّ غير العاملة أو الأصحّ العاملة كأمّ بدوام كامل:

   تقول: "أقوم بعمل يبدو أنه غير مرئيّ": فالأم التي لا تعمل خارج المنزل تشعر أنّ ما تقوم به خلال النهار هو غير مرئي، فمهما أطعمت أبناءها فبعد وقت قليل سيجوعون، وإن اهتمّت بنظافتهم فبعد قليل سيتّسخون، ومهما لاعبَتهم فسيملّون، أما البيت فتلك حكاية أخرى فالغسيل والتنظيف والترتيب أمور لانهائيّة بل ويبدو أنها مهمّة مستحيل إتمامها، فمع كلّ غسيل يخرج من الغسّالة نظيفاً يكون هناك أضعاف مثله في الانتظار، ومع كلّ وجبة تنتهي يكون هناك وجبة أخرى بعدها بقليل، وفي نهاية اليوم وتقريباً مع انتهاء الطاقة يأتي الزوج، فالأطفال ما زالوا بحاجة إلى طعام وما زال هناك الكثير الكثير من الأعمال المنزلية العالقة، والزوج لا يعلم ما الذي مرّت به الزوجة خلال النهار ولا يعلم كم عدد الحفاظات التي غيرّتها أو الوجبات التي حضّرتها وكم مرة مسحت الأرض والتي مازالت متّسخة. يقول الزوج لزوجته: شكرا ً على تعبك ولكنه يظنّ في داخله أنه هو الموظّف المُرهَق الذي يحتاج الآن إلى الاهتمام والدلال من زوجته "القاعدة" في البيت! أما الزوجة "القاعدة" فتشعر أنّ وقتها قد انتهى الآن ويجب عليه أن يستلم السباق المنزليّ هذا عنها، وهنا يحصل الخلاف. هو المنتِج الذي يوفّر المال لأسرته وهي مربّية الأجيال، ولكن مَن الذي يتعب أكثر، "أنا طبعاً" هو يقول، "أنا طبعاً" هي تقول، فتقرّر: "أعود لعملي أفضل، ففيه أشعر بالإنجاز، وأشعر بالتقدير من الآخرين، فأنا عاملة منتِجة، وعملي يُرى وليس هو بالعمل غير المرئيّ".

  تقول: "أتوقف عن العمل الآن فأخسر عملي للأبد"، تتمسّك الكثير من الأمهات بعملهنّ لأن فيه تشعر بالتطور والتقدّم، وتترقى ويزداد راتبها وتحصل على مكانة أفضل، ولكّن إن فكّرت بترك وظيفتها للاهتمام بأبنائها فلن تتمكن من العودة للعمل مرة أخرى، ففرص العمل أقلّ، وعمرها يزداد، وخبرتها تتوقّف، ولا بدّ من أن يأتي غيرها ليأخذ مكانها، فما عليها إلا أن تتمسّك بالوظيفة فتتبعها ميزاتها.

  فتقرّر: "أستمرّ بالعمل وأحصل على مساعدة منزلية وعائلية ويمكننا تحمّل بعض التعب كعائلة بضع سنوات، فالأولاد مع المساعِدة في المنزل ومنهم مَن يعودون في حافلة المدرسة عند الجدّ والجدة، والدراسة تبدأ بعد غروب الشمس، والجري لإتمام الأعمال المنزلية ومتابعة الأولاد في دراستهم مستمرّ، ولكنّ الأمور تسير وهي غير متوقّفة، هناك بعض الخسارة ولكن لا بأس. 

  وتقول الكثير من الأمهات العاملات أنهنّ قادرات على تنظيم وقتهنّ والاهتمام بأولادهنّ والمنزل، وكلّ الأمور تحت سيطرتهنّ، صحيح أنّ تعبهنّ لا يمكن تخيّله إلا أنهنّ قادرات على الاهتمام بجميع التفاصيل بل يشعرن في بعض الأحيان أنهن "سوبرومن" فهي الطاهية ومدبّرة المنزل والمدرِّسة والسائقة و..... غيرها الكثير الكثير، وهي لا تشعر بالذنب، فصحيح أنها تغيب عن أبنائها الوقت الطويل لكنّ وقتها المتبقّي معهم وقت مركّز وذو قيمة عالية، والبعض يشعرن أنهنّ أفضل من الأمهات بدوام كامل، فمنهنّ مَن يجلسن مع أبنائهنّ إلا أنهنّ في حالة عصبية مستمرّة، ويشعرن بالنقمة على الحياة، وهنّ في توتّر دائم والذي ينعكس على نفسية أبنائهنّ كذلك.

   كأمهات تقف كل واحدة منا أمام القرار: "أمهات بدوام كامل، أم دوام كامل وأمهات". أمام كلّ قرار تحدّيات، وفي كلّ قرار هناك خسائر، وهناك ثمن يُدفع. لكن لا بدّ من القرار، ومع كلّ قرار تحتاج الأم إلى الإبداع والتفكير بما يُقال عنه "خارج الصندوق"، فمثلاً تفكّر في طرق خلاّقة لتقضي أوقاتاً مكثّفة وقيّمة مع أبنائها ليكون تأثيرها هو الأكبر وبصماتها هي التي تطبع في حياتهم، وليس تأثير المساعدة في المنزل ولا أفكار المربّية في الحضانة ولا الجدّ والجدّة، فيمكنها أن تجد ألعاباً مثلاً أو قصصاً أو أفكاراً لأنشطة تقوم بها مع أبنائها بحسب عمرهم.

   كما ويمكنها أن تفكّر بطرق فيها تخفّف من الأعباء المنزلية، فأحياناً تغيير بعض الديكور في المنزل أو حتى التنازل عن المعايير العالية في النظافة والترتيب يجعل حياتها أسهل وأمتع مع أبنائها، ويمكنها أن تبحث عن مجموعة من الأمهات حيث تشارك معهنّ أفكارها والتحدّيات التي تواجهها بالإضافة إلى أنّ الأبناء يقضون وقتاً ممتعاً معاً، ففي مثل هذه اللقاءات تشعر الأمهات بالتشجيع لمجرّد أن تجد أنّ هناك مَن يمرّ بما تمُرّ به، وقد تحصل على أفكار جديدة تجعل حياتها أسهل. 

  وربما يمكن أن تكون الأم خلاّقة بشكل كبير بحيث تتمكّن من أن تحصل على عمل من منزلها تجلب فيه بعض الدخل للعائلة دون الحاجة إلى الالتزام بوظيفة كاملة، أو تلجأ إلى العمل لساعات معينة في اليوم، أو تختار الدوام الجزئيّ مثلأً.

  فمهما كان خيارك عزيزتي الأم، سواء اخترتِ أن تكوني من "الأمهات بدوام كامل" أو من "الأمهات والدوام الكامل"، ومهما مكّنتك قدراتك من ابتكار الطرق في جعل حياتك مع أبنائك وعائلتك وفي عملك أفضل، فاعلمي أنّكِ تقومين بعمل رائع، فالأمومة أمر عظيم تغنّى به الشعراء وكتب عنه الكثيرون وانهمرت معه الكثير من الدموع .... وربما ينهمر البعض منها الآن عندما تتذكّرين كم تحبين أبناءك، وكم أنت سعيدة بكونك أماً، وكم مررتِ بظروف ومواقف عديدة على مدى سنين مرّت تتذكّرين معها الآن أنّ الأم السعيدة تجعل البيت كلّه سعيداً! فابتسمي عزيزتي الأمّ فأنتِ تقومين بعمل رائع، والرب يباركك.

youtube  facebook  twitter