موضوعات أخرى

ليس أمرًا هيِّنًا أن تسهر مع الله

موقف القلب
ليس أمرًا هيِّنًا أن تسهر مع الله

عن سفر التَّكوين 15

لقد جرى حوار منذ آلاف السِّنين بين إبراهيم والله، وانتهى هذا الحوار بإبرام عهد. قديمًا، كانت العهود الَّتي تتمُّ بين شخصين نادرة جدًّا. لذا فإن أراد أحد أن يلزم الآخر بكلمة، كان يلجَأ الى الطُّقوس المعروفة وقتها، وكان الطَّرفان يُحضِران حيوانات، ويذبحانها، ويقسِّمانها، ويضعانها على الأرض الواحد مقابل الآخر، ويتركان ممرًّا ضيِّقًا بحيث يمُرُّ كلا الطَّرفين بينَ القِسمَين ليؤَكِّد كُلٌّ منهما على عهده والتزامِه نحو الطَّرف الآخر.

كان إبراهيم مُتَحَمِّسًا جدًّا، فاستعَدَّ وجهَّز الحيوانات وشقَّها مُنذ الصَّباح الباكِر، وأخذ ينتظر الرَّبَّ، فقد أعَدَّ كُلَّ شيء، ولكن متى ستأتي يا رب؟

مرَّت فترة سكوت طويلة ظلَّ فيها صامِتًا ساعةً بعد ساعة، فبدأ يتمَلمَل في جلسته منتظِرًا أن يأتيَ الله، وكأنَّ شيئًا ما في داخله، يقول: "لقد كانت فكرَتُكَ يا رب أن نصنع عهدًا يُؤَكِّد كلامَكَ لي، إلَّا أنَّه حتَّى الآن لم تحدُث علامة ظاهرة"؛ فالحيوانات مُلقاة على الأرض ساعة بعد ساعة، والشَّمس ارتفَعَت إلى كبدِ السَّماء، لا صوت ولا رؤيا، ولا بوادر تبشِّر بالقدوم الإلهيِّ.

بدأَتِ الطُّيور الجارحة النَّجِسة تحوم حول الجُثث لتأكلَها؟ زجرَها إبراهيم، وربَّما خطر في باله: ما هذا الغباء الَّذي أفعله؟ هل ستأتي يا رب؟ هل سعيتُ وراء أوهام؟ ما هو منظري أمام زوجتي وخدَمي؟ كيف أصنَعُ اتِّفاقًا مع شخصٍ لا أراه؟

ساعات طويلة امتحن الله فيها إبراهيم، هو نفس الامتحان الَّذي نمرُّ فيه أنا وأنت، إذ ننتظر تحقيق وعد. ساعات طويلة نسهر فيها مع الله، وتبدأ تحوم فوق رؤوسنا الأفكار الكاذبة النَّجِسة كما حامَت حول الجُثَث.

لقد تعب إبراهيم من الانتظار طوال النَّهار ومن زجر الطُّيور الجارحة، لكنَّه لم يتراجَعْ، لم يسمَحْ للإحباطِ واليأس أن يُدخِلاه إلى مَغيب الشَّمس. وعند المَغيب، حدَثَ أمر غريب، وقع إبراهيم في سُبات عميق، وإذ رُعبة مُظلمة واقعَت عليه ورأى رؤيا. أظهر له اللَّه كيفَ سوف يُستَعبَد نسلُه في أرض غريبة، وأراه كيف سيخرُجون من تلك الأرض. ولمَّا استيقَظَ إبراهيم صارَتْ عتمة، وإذا مصباح نور يجتاز بين الحيوانات، ويقول: "لنسلِكَ أعطي هذه الأرض". (تكوين 18:15)

لقد أتى الله أخيرًا في مصباح نور، وتمَّمَ العهدَ، وسارَ بين الحيوانات المشقوقة ليُؤَكِّدَ العهدَ.

لا تستعجلي؛ سيأتي الله بلا أدنى شكٍّ للَّذين ينتظرونه.

إضافة تعليق
بريد ألكتروني