موضوعات أخرى

أسرارَنا قد تمَّ البوحُ بها

حكايات من الشارع
أسرارَنا قد تمَّ البوحُ بها
بقلم : أناستازيا

وصلتُ متأخِّرة إلى المُحاضَرة الإرشاديَّة للسَّيِّدات اليافعات والَّتي تمَّت دعوتها إليها من قِبَل صديقتها المتكلِّمة في هذه المحاضَرة، فصديقتها حاصلة على درجات كثيرة في التَّدريب والتَّطوير الفرديِّ، وهي مخبأ أسرارها والشَّخص العزيز الَّذي تسنِد نفسها إليه في الشِّدَّة، وهي من تشارك معها أفراحها! لكن في هذه المحاضرة، قالت صديقتها الكثير ممَّا لم تودَّ سماعه، كان من الصَّعب عليها أن تبقى جليسة مكانها تسمعها. كرِهَت كيف كانت تنتقدها أمام الجميع؛ من خلال ردود الأفعال وفي مواقف مختلفة قد شاركتها معها سابقًا، وكيف كانت تتحدَّث عمَّا يجب أن تعمل وتشعر، كانت متخوِّفة من أن يتمَّ ذِكر اسمها، لكن الحمدلله لم تفعل! وأصبحت تقول في نفسها: ما كان من المتوجِّب علي أن أذهب إليها في وقت ضيقي، إنها غلطتي في اختيار الصَّديقات كما كانت أمِّي دائمًا تقول لي، فدائمًا الفتيات عدوَّات لبعضهنَّ، ولا يجب أن أأتمِن إحداهنَّ، لكن إلى مَن أذهب وأنا لا أحبُّ نصائح أمِّي؛ فنصائحها تبدو فعَّالة في زمن بعيد حيث كانت الحياه أقلَّ تعقيدًا. لكن مع ذلك، فقد أثبَتَت لي اليوم -تلك الَّتي كانت صديقتي- أنَّه عليَّ أن أتبع نصيحة أمِّي!

لم تتمالَك نفسها من الهروب والذَّهاب إلى دورة المياه لتبكي كما تشاء، فصعب عليها أن تسمع كلَّ أخطائها وأن يتمَّ طرحها أمام الجميع، وأن تسمع عن غيرها مَن كان سيتصرَّف بحكمة ونضج في مثل هذه المواقف، مع توضيح ما هو السُّلوك الصَّحيح. هي تعرف بأنَّها ما تزال تتعلَّم عن الحياة وما تزال يافعة وغير ناضجة، وتعرف جيِّدًا من خلال جلساتها الفرديَّة مع تلك الَّتي كانت تعتبرها صديقتها بأنَّ إحدى نقاط ضعفها الكثيرة هي التَّسرُّع في اتِّخاذ المواقف الَّذي يُصاحبه الانفعال العاطفيُّ المبالَغ به، وتفكيرُها بنفسها بأنَّها الضَّحيَّة الدَّائمة في كلِّ موقف، وينتهي بها الأمر بالهروب من الموقف وترك الأمور بلا وضوح ودون بذل أيِّ جهد لمواجهة الطَّرف الآخر.

غدَت أفكارها تتصارَع ومشاعرها، حيث أنَّها توَدُّ الآن المغادرة والذَّهاب إلى المنزل، ولكنَّها تذكَّرَت بأنَّها في إحدى الجلسات علَّمَتها -تلك التي كانت صديقتها- بأن تتأنَّى، وأنَّه لا بأس بأن لا تكبت مشاعرها وأن تبكي، لكن عليها أن توجِّه طريقة تفكيرها وأن تتحكَّم بها. وفي حال لم تجد مخرَجًا ممَّا هي فيه ولم تكن قادرة على التَّفكير، كانت توصيها بأن ترتاح قليلًا بأخذ شهيق وزفير متتالَيَين وعميقَين من البطن إلى أن تشعر بتحسُّن في المزاج. ولا بأس أيضًا في أن تفكِّر في طرح عدد من الأسئلة على الشَّخص الآخر لتوضيح الموقف. كانت دائمًا ما توصيها بألَّا تفقد أعصابها وتنسحب، بل أن تكون جاهزة للاستماع إلى الآخر عند تبريره لفهم وجه النَّظر الأخرى. كما علَّمتها أن تحافظ على نبرة هادِئة غير مُستَفِزَّة عند طرح الأسئلة، وأن تكون يقِظة في معرفة حدودها وحدود الآخر دون إساءة أو تجريح، وأن تصِل إلى توضيح كافٍ للحِفاظ على الصَّداقة والثِّقة، وإلَّا فليكُن الاتِّفاق على إبقاء الحدود واضحة وعدم المضي قدُمًا في الصَّداقة، فكما هو مُتعارَف عليه: مَن تُحيط نفسك بهم تُصبح مثلَهم، ولهم الأثر الكبير على مَن ستُصبِح عليه وعلى مدى سعادتِك أو نجاحِك.

فتستجمع قواها وتعود إلى المحاضرة، وتنظر وإذ به وقت الاستراحة، فتبحث مُتَلَفِّتة عن صديقتها ولا تجدها، فتفكِّر في نفسِها: يبدو لي بأنَّ عدم إيجادها إشارة لي بأن أغادر إلى المنزل فهذا الأفضل! لكن يُقاطعها صوت صديقتها من خلفها، وتقول بنبرة واثقة وفرِحة: أعرِّفُكم يا فتيات على صديقتي الغالية الَّتي بها انتصرتُ على ماضيَّ وعلى كلِّ فشلي؛ فمن خلال جلساتي معها، شعرتُ بأنَّ لي فرصة ثانية في تغيير ماضيَّ وجعل الخيارات في الحياه أفضل، هي تشبهني كثيرًا في الأفكار وردود الأفعال وفي كلِّ شيء، وأرى لها غدًا معطاءً وكثير الإشراق. ثم احتَضَنَتها بشدَّة.

وتأتي إحدى الفتيات وتقاطعهنَّ، وتقول بكلِّ تردُّد وخجل: ولكن كيف عرفتِ كلَّ هذا عنِّي! الأمثلة الَّتي استخدَمتِها في المحاضَرة جميعها حصَلَت معي! فردَّت عليها بابتسامة ونبره هادئة: لا تخافي أبدًا، يبدو لي بأنَّكِ وصَلتِ إلى المحاضرة بعد عشر دقائق من البدء؛ لأنَّ الجزء الَّذي فاتَكِ هو أنَّ ما سيتمُّ عرضَه من مواقف هو ما تمُرُّ به فئة كبيرة من الفتيات في عُمرِكُنَّ، وأنَّ نمَط التَّفكير والسُّلوك هو مشابه لهذه الفئة. والهدف الأساسيُّ لهذه المحاضَرَة هو كيفيَّة توجية التَّفكير والتَّحكُّم به لإيجادِ الحَلِّ الأفضل لهذه المواقف. أتمَنَّى لو أنَّكِ لم تُطيلي التَّفكير في المواقف، ولم تدَعي المُحاضرة تفوتكِ، وأنتِ غارقة مع نفسِك! أجابَت، وهي مُتَعَجِّبة: نعم. هذا صحيح؛ لم أستَطِع التَّركيز في المحاضرة، وأنا أستَذكر المواقف! فقالَت لها مُطَمئِنة: إنَّ هذا طبيعيٌّ جدًّا، وربتَت على كتفها، وأكمَلَت وهي مُشَجِّعة لها: أرجوكِ، احضَري المرَّة القادِمة باكِرًا؛ لأنَّني سأُعطي المُحاضَرة ثانيةً هنا في هذا المكان وفي نفس الوقت، أرجو أن تستفيدي في المُحاضرة القادمة! وعندها نظَرَت إلى صديقتها، وقالَت لها: قولي لي، ما رأيُكِ بما ألقيتُه في المحاضَرَة؟ وما الَّذي ينبغي عليَّ أن أوَضِّحه أكثر في المرَّة القادِمة؟ فأجابَتها بسرعة ووضوح ودون ترَدُّد: أن تعيدي العشر دقائق الأولى قبلَ سرد أيِّ موقف جديد، فجميعُنا شعَرنا بأنَّ أسرارَنا قد تمَّ البوحُ بها على المَلأ!

إضافة تعليق
بريد ألكتروني