موضوعات أخرى

اعترافُ أمٍّ:

واقع الحال
اعترافُ أمٍّ:
بقلم :رولا حدادين

كنتُ امراة عاملة، وطبيعة عملي تُحَتِّمُ عليَّ أن أغيب عن بيتي لوقت متأخِّر.... شعور الذَّنب كان دائمًا يقتلني، فكنتُ فورَ وصولي إلى البيت أجلس مع ابني سيف وألعب معه، جسدي معه ولكنَّ عقلي في ماذا سأطبخ، وكيف سأنجِز ما طلبه منِّي مُديري. كنتُ أخلد إلى النَّوم مباشرة بعد ما ينام ابني سيف، وأنا أسرد له القصَّة تلو القصَّة، أو عندما أقرا له قصَّةً ليوقظَني زوجي لأذهب وأنام في غرفتي، ولكنَّني كنتُ أتَّجه إلى المطبخ لأتمِّمَ عملي المنزليَّ.

 

أحيانًا، عندما يكون اليوم شاقًّا في عملي وهرمونات جسمي متقلِّبة، وليس في مزاجي أن أقرأ لابني سيف قصَّة قبل النَّوم كالمُعتاد، كنتُ آخذه مباشرة بعد انتهاء عملي إلى مكانٍ يقضي فيه وقته ليلعبَ ومن ثمَّ ينام في السَّيَّارة، فتسهل حياتي بأن يخلُد إلى النَّوم أثناء قيادتي، وهكذا يكون قد نام فلا أحتاج إلى مجهود إضافيٍّ لاسرد له القصص، ويكون لديَّ وقتٌ لأكمِل يومي من طبيخ وغسيل و.....

 

حتَّى جاء ذلك اليوم الَّذي لن أنساه أبدًا، كنتُ في قِمَّة الشُّعور بالإرهاق، في قِمَّة تعبي، وتحت ضغط مُستَمِرٍّ ألهثُ وراء إتمام واجباتي ومسؤوليَّاتي من مُشتريات، وطبخ، وعملٍ. كان يومًا عصيبًا، وكان مديري في هذا اليوم مُتَعَكِّر المزاج. عُدتُ إلى بيتي، وأنا في قِمَّة التَّعَب، وقدماي فعليًّا غير قادرتَين على حملي... لأجدَ سيفًا يركض كالمُعتاد نحوي، ويطلب مني أن ألعب معه، وأسرد له القصص كالمُعتاد!

لم أستطِعِ التَّحمُّل، فأنا إنسانة في نهاية الأمر من دم ولحم، صرختُ في وجه ابني الَّذي لم يكن يتعدَّى الخمس سنوات في ذلك الوقت، ودفعتُه بقوَّة عنِّي... واتَّجهتُ نحو غرفتي، وأغلقتُ الباب وأنا أصرخ، محمِّلَةً إيَّاه مسؤوليَّة تعبي ويومي الشَّاقَّ. لن أنسى هذا اليوم ما حييت، دقائق معدودة وأعدتُ فتح باب غرفتي لأحضنَ ابني، وأبكي، وأعتذر له، وكُلِّي ندم... وأخبرتُه عن يومي -لا أعرف إن كان هذا صحيحًا- ولكن هذا ما فعلتُه لأنَّه يستحقُّ اعتذاري.

 

ومُنذ ذلك اليوم، تعلَّمتُ درسًا؛ ألَّا أضغط على نفسي. كما أصبح سيف يعلم بأنَّ هناك وقتًا لماما -ولو عشر دقائق- أجلس فيه مع نفسي، أو أنام، أو أغفى قليلًا لأستطيع أن أقضيَ وقتي معه، وكان يُضحكني عندما كان يقول: "هلَّأ الماما عم تشحَن خلصت بطاريّتها!"

فأنا أفضِّل أن يراني ابني مبتَسِمَة لا أحمِّله مسؤوليَّة تعبي على أن أجلس معه وأنا في قِمَّة تعاسَتي، وكأنَّني مُرغَمَةٌ على الجلوس معه دون أيِّ حنان أو حُبٍّ! فكم منَّا -نحن الأمَّهات- شعورُ الذَّنب يقتلنا تجاهَ أولادِنا؛ فنجلس معهم مجبورين انعكاسًا لهذا الشُّعور بدلًا من أن نجلس معهم لنُشعِرَهم بالرَّاحة والمحبَّة والأمان. وهذا اعتراف منِّي لابني الَّذي قد يقرأ هذا المقال، فيعرف أنَّني إنسانة؛ قد أخطِئ في حقِّ نفسي كما قد أخطِئ في حقِّه، ولكنَّني أحِبُّه، وسأبقى أحِبُّه وأعطيه أفضلَ ما لديَّ! سامِحني يا قُرَّةَ عيني.

إضافة تعليق
بريد ألكتروني