موضوعات أخرى

للآن

واقع الحال
للآن
بقلم: دلال

  قصتي بلشت أوَّل ما اولدت بنتي وهون كانت الصَّدمة الكبيرة؛ انخلقت بنتي بدون عينين نهائيًّا حتى أجفان ما في، يعني الأجفان مجرَّد شقوق بسيطة، وطبعًا كابرت كتير على حالي أنّي ما رح أزعل ولا رح أبكي ورح أطوِّل بالي مشان مايروح الحليب عندي، بس للأسف ما اقدرت؛ كان حزني أقوى مني وراح الحليب، وكبرت هالبنت عالحليب الاصطناعي، وأوَّل ٣ سنين لا تعرف ليل ولا تعرف نهار، كانت تنام بالنهار، واتظلّ صحيانة كلّ اللّيل .
وبعمر السّنة ونص عرضناها على طبيب تجميل حتى نعرف شو منقدر نعمل لهالبنت مشان حياتها بعدين ومستقبلها، ولحتى ما يصير عندها تشوُّهات بالوجه لما تكبر، فكان رأي الدّكتور أنّه نزرعلها كُرات مرجانيّة داخل الحجاجة (العظم يلِّي بيحضن العين) وأنها رح تكبر شقوق الأجفان وتجعلها أقرب إلى الطّبيعي.

  وفعلًا بدَت مسيرة عمليَّات التَّجميل الشَّاقَّة على طفلتي وعلينا طبعًا، كانت تقريبًا تدخل لغرفة العمليَّات مرتين بالأسبوع لأنّه جسمها كان يرفض الكُرات ويلفظها إلى الخارج، وحتى يعيدها الطَّبيب بحتاج يستخدِم التَّخدير العام. الآلام يلِّي شعرَت فيها طفلتي ما بتصوَّر أيّ إنسان بقدر يتحمَّلها، ولكنِّي بشهد أنّه بالرَّغم من أنها طفلة صغيرة ما بتتجاوَزِ السَّنتين إلَّا أنها من الصَّابرين. وبقينا على هذا المنوال ثلاث سنوات، وفي المرَّة الأخيرة –وكالعادة- كنت أودِّع بنتي قبل ما تدخل غرفة العمليَّات، وبعد ما دخلت الغرفة بنص ساعة، وإذا بممرِّضة تدخل وممرِّضة تخرج، وشعرنا أنّه الوضع مش طبيعي، حتّى طلعت الممرضة وقالت لنا: الحمدلله على السَّلامة، وطلعت بنتي لونها أزرق، سألنا عن السَّبب، والجواب كان: ولا إشيء، لكنها صحيت من البنج بصعوبة، بس ما في إشي خطير. وبعدها قرَّرنا أنا ووالدها أنّه هاي هي آخر مرَّة رح تخضع فيها بنتنا لعملية، وبأنَّا رح نتقبَّل شكلها كيفما كانت، وما بهمنا المجتمع كلُّه.

 

ولكن ما بخبِّي عليكم سرّ أنّه نظرات المجتمع إليها سيِّئة جدًّا، وبشكر ربِّي أنّه طفلتي ما بتشوف هاي النَّظرات، نظرات الاستغراب والدّهشة، هاد غير الأطفال اللِّي من عمرها اللِّي بكونوا بركضوا وبلعبوا، ولمَّا يشوفوها بخافوا منها وبركضوا عند أهلهم مستنجدين فيهم، وكأنهم شافوا غول. إحنا عايشين في عالَم بتغريه المظاهر والشّكل الخارجي فقط. على فكرة هي أكثر إنسانة بتشعر فيِّي حتى أنها بتعرف بشو عم فكر وبتوحيلي ولو بكلمة من اللِّي بفكِّر فيه، فمثلاً: كنت عم بفكِّر وعم بقول: هالبنت إيمتا بدها تدخل المدرسة وتتعلَّم، معقول بكرة تكبر وتظلّ بلا تعليم؟ فجاوبَت هيّه بسؤال تاني، قالتلي: ماما، شو مالك؟ قلتلها: ما في إشي ماما، فقالت لي جملة اختصرت كل إشي عم بفكِّر فيه، قالتلي: ماما قولي يا رب.

 

وهلا بعد ما صار عمرها ٩ سنين هي بالنسبة للعيلة فرحة البيت وضحكته، اجتماعية بتحِبّ العالَم كتير، بتحب تتعرَّف على ناس جداد عن طريق العناق والشَّمّ، وبتسأل الشخص عن اسمه، ولمَّا تعرف اسمه -ولو بعد سنتين أو ثلاث- هي حافظته من ريحته وصوته وبتناديه باسمه. أما أفراد العيلة: أنا، وأبوها واخواتها، وجدّتها، فهي بتعرفنا من خطوات رجلينا على الأرض.

 

وكل هالوجع والمعاناة بكفّه وأنّه لحدّ الآن مافي مركز للتأهيل عم يقبلها في كفّه ثانية، والحجّة دائمًا وجود إعاقة مزدوجة يلِّي هيّه أنها كفيفة وما بتقدر تمشي لهلَّا. واستخدمت تعبير "للآن" لقصَّتي لأنّه أملي كبير بربِّي أوَّلًا، وثانياً لأنّه بنتي شافها أكثر من طبيب أعصاب، وأجمعوا أنّه العصب سليم مئة بالمئة، ويمكنها المشي بمساعدة أي "ووكر" زي ما ذكرت سابقًا ومع المعالجات الفيزيائيّة، وللآن مضَت سنة على خضوعها للعلاج، وهذه هي قصتي مع طفلتي آية. والله أعلم شو اللِّي رح يصير بمستقبلها، بس اللِّي بعرفه أنّه المعاناة مُستَمِرَّة.

إضافة تعليق
بريد ألكتروني